تجريب والتماعات شعرية في قصص المغربي محمد بنميلود

حجم الخط
0

يصعب حصر أعمال الكاتب المغربي محمد بنميلود بحقبة زمنية، أو حتى مدرسية أسلوبية، لأن هذا القاص ليس جزءا من الحساسية الجديدة. فهو رجل قادم من بلاد الأخيِلة مُحملا بحكايا باشرت الانزياح عن السردية المُتحَلَق حولها، ببنيتها المحكومة بها، التي ليست غير نظام خاص لكل واحد منها، ما يعطيها تميزا ويوضح لنا تباين مصادر القص داخل هذه التجربة.
يحضر بنميلود كسارد مطمئن داخل قصصه، ممتطيا ضمير المتكلم المغامر، في حين نرى جانبا من قصصه الموســــومة بالفانـــتازتيـــكية تضمر ضمير الغائب عن المتخيل البعيد، أو الماضي. وهو ليس مُنظـــما للحكي بقدر ما هو مفترس له، في قدرة على معالجة مَسُوغه بمرونة شفافة لحملنا على تَقبل الخارق، الذي يبسطه كامل مساحة الحكي بواقعية.
تُملي كتابات بنميلود، إشكاليات ذات اعتبارات تصنيفية تحديدية، إذ إن تداخل الأجناس الأدبية في النص المفرد، لدى هذا الكاتب يبقى واقعا صعب الافتكاك، ذلك أن اللغة الشعرية تبقى إبرة كتاباته.
لدى هذا الكاتب، أسلوبية الكتابة المفتوحة، لا تُعوِّل إلا على الكتابة نفسها، لا منهجية أو مدرسية، فما يثير داخل كتابة بنميلود هو تلك الالتماعات الشعرية، التي ترصع مادة الحكي، الذي يحاور كل الأجناس الأدبية في سَن قوانين حكائية خاصة، تُشكل معالمها ومَغامرها، بأسلوبية فنية متوهجة، تؤسس نموذجها عبر التراكم.
يبقى ما يسيح عنها هو ذلك الوصف التصويري بعدسة (ميكروسكوبية) تخترقه تعليقية وارفة بمشهديتها، تحضر اللغة الطفولية كإشعال لفضائها بمكوناتها الجغرافية وترانيم الفنية داخلها.
فهذا القاص ليس سجين قراءات يحاكيها، حيث تجد القسمات الرئيسية في تجربته، تتضح مع راحِبِيَة الثيمات ولغة التجريب في تشييد الأبنية، لا تجديدها كما يرتهن إلى ذلك إسكافيون عديدون.
قصص تحدث وقع انطباع لحظي، ينعدم داخلها كل تنميق بلاغي، الجملة السردية مَسرحها، يتطاول خيطها بموضوعات مُخصبَة ودافئة، بأفق ممتع وجميل، يُبرِز الهامش ويُنمي الوعي الجمالي به، لتتصادى القصة عنده بما يميز القصيدة لديه.
سردية بنميلود سَردية حقيقية، تَخلق تفاعلا وانفعالا، مستجلبة التجريب إلى مدارات التنويع. لا تُطمئنه أي رؤية أيديولوجية متسربة لدى الجماعة، ليُخلي المجال لمتنه ونسقه. مضماره شديد الشفافية، بمكونات خصبة كفاية لتُوثُب تُربَة المتخيل، في فانتازتيكية تسعف على مزج الواقع باللاواقع باعتبارها عنصرا تعبيريا في معطى تحكمه السخرية السوداء.
تتمحور مدارات الكتابة القصصية عند بنميلود، على استرجاع الطفولة ومشاغل اليومي، بالحكي في فسحة طليقة ومُخضَرة، تعتمد الأجنحة المتعددة، للأبنية التي يَصرفها في إقناع درامي وأسلوبي، تطغى عليه المباشرة في التعبير، ليُوثر طبقة حكيه بالمفارقة.
أسلوب الكتابة ولغة المعالجة، التي يتحقق بها الإحساس القوي بالواقعية، ما يعكس الروح الفنية والمقدرة الإبداعية التي تزخر بها، هو الآن ما ينمي هذا الإحساس الجمالي البكر بهذه القصص.

٭ كاتب مغربي

تجريب والتماعات شعرية في قصص المغربي محمد بنميلود

عبد الوحد مفتاح

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية