لا يخيب علي بدر انتظارية القارئ، في روايته الجديدة «الكافرة»، منشورات المتوسط 2015؛ فالعنوان يضج بإدانة عوالم التشدد وفضاءاته وممثليه. وإذ تصير المرأة عرضة لتهمة الكفر، فتصوير للبشاعة الوافرة التي تستفحل في المجتمع الشرقي.
سيعزز هذه الفرضية، الاشتباك القرائي، مع حبكة النص الحكائي، فالعين السردية، تقتفي أثر فاطمة العربية، التي منيت بهزيمة جغرافية، أن كتب عليها أن تكون بنتا منغرسة في بيئة قاحلة، تعمرها أشباح التشدد، تشهد عروض إقامة الحد على صبية، عوض عروض السيرك وألعاب الصغر. لأم مقهورة، تستسلم لعنف زوجها، وأب سيلتحق بجماعة المتشددين، فيربي لحية الوجه وقساوة القلب. وعاشقة بعد ذلك لحبيب عابر، سيذهب ضحية لعمى المتشددين، والتهمة: حب الحياة. ولأجل تشبيك الحبكة، وتوسيع الخيبة، ستقيض لها الحياة السيئة الحظ، زوجا أغرتها فيه بداياته الفنية، المضادة لمنطق الإسلاميين. غير أن المشيئة الروائية، ستسحب الزوج الإمعة، من سريرها، لسرير الحوريات السبعين، (يستخدم علي بدر عبارة العملية الانتحارية، على لسان المتشدد الذي حمل خبر هلاك زوج فاطمة، رضوان. وهنا يبدو أن الروائي تعسف في استنطاق الشخصية، التي لا يمكن أن تدين نفسها). ليخلي الزوج مكانه شاغرا لأحد المتشددين، الذي أراد حيازتها لنفسه. غير أنها فوتت عليه الفرصة مع أحد مهربي الشرق، الذي لم يفوت فرصة اغتصابها، في طريق الهروب إلى بلجيكا.
أثناء وجود البطلة في العاصمة البلجيكية، بروكسل، اجتهدت في تغيير ما يمت للشرق باسم (من فاطمة إلى صوفي)، ولباس، ولغة، فجزت خيوط الصلة تلك، بقديم حياتها هناك، نقمة من البؤس الذي عاشته، ستأسرها أضواء الليالي، ورنين الكؤوس في البارات، بذريعة الانتقام من شهوة زوجها الذي يطارد حوريات الجنة السبعين، فآلت على نفسها أن تضاجع سبعين رجلا من زوار ليل المتعة.
سيستضيف علي بدر، ابتغاء اكتمال المأساة، شاهدا آخر على استحالة الحياة في الشرق إلى دموية طاحنة، هو شخصية «أدريان»، الذي لم تمنعه ازدواجية انتمائه (اسكندنافية الأم ولبنانية الأب)، وكفه الكشف عن الهوية، إلى التلبس بسنوات الموت الطائفي في لبنان، الذي عبر إليه عبر أبيه (غابرييل). الأب الذي قضى شطرا من حياته، هاربا من شبح الطفلة التي نجت من مجزرته الانتقامية، حيث أودى به الشبح إلى الانتحار. وهو الأمر الذي سيقابله أدريان بإيزيسية تسعى إلى استئصال الوجه المظلم من الذاكرة، عبر اجتراح مغامرة الزواج بتلك الصبية/ الشبح، التي كانت صورتها السبب في تآكل روح والده المنتحر.
علاقة الحب هذه، لم يتسن لها أن تأخذ مداها الزمني من الحميمية المتبادلة، والشهوة الحارة، ليس بسبب دخول أدريان في حالة غيبوبة فقط، نتيجة حادث سير أليم، بل -أيضا- لأن الشرق القاتل، الذي هربت منه اعترضها في صورة حبيب أشقر.
واضح أن رواية «الكافرة»، تسعى لأن تصير هجائية للشرق الملطخ بالمقدس. والرواية لا تفعل الهجاء، سردا فقط، بل تقوله، في أحايين كثيرة، بشكل مباشر، من دون مواربة فنية مكثفة، وفي صيغ التعميم الأشبه بالاستنتاجات، التي تجمع الأرض من المحيط إلى الخليج، في سلة واحدة: «أنا هنا قربك.. قادمة من بلاد الحروب التي لا تنتهي.. ومن الأرض الملعونة، من خضم أحداث القتل الغامضة.. من عالم الشعوذة.. من خنق الزوجات». وفي مطرح آخر: «كنا فقراء، لم يكن في منزلنا سوى حصان هرم وبغلة، بيت على حافة الصحراء، في قرية، خلفها هضاب رملية مترامية تمتد إلى ما لانهاية، وأمامها مدينة كئيبة، منازلها كالحة ومتداعية. كنا نعيش في كوخ ذي واجهات خربة.. ليس هنالك ألوان في الطبيعة التي أمامنا.. للطبيعة التي عشت فيها لون واحد. هذا اللون الرملي الأصفر الكئيب، وربما من هنا، تأتي هذه القسوة والوجوم في وجوه الناس.. الموت كان يحيط بنا، الشجر أعجف يابس ذابل، بسبب حرارة الشمس.. الجو مغبر.. في هذه الصحراء الشاسعة. ومن وقت لوقت كنا نصطدم بجيفة حيوان ما ملقية على الرمال. الخ» .
ليس من النقدي- في شيء- معاتبة الروائي على تعامله (الرومانسي أو الفظ أو السطحي أو العابر) مع المكان، فالتجارب الفنية مختلفة، ومجموع خبرات الروائي، ليست من جنس واحد. فمعلوم أن المكان في الرواية ليس شيئا محايدا، بل يصير عرضة للتخييل والتشويه الجمالي. لكن ما يقع في «الكافرة»، هو الرجوع بالمكان إلى ما قبل تشكل الدولة، وصناعة المدينة، رغم الجدة النسبية لظاهرة الإرهاب، فغياب وسائل النقل والدكاكين والمؤسسات، قد يجعل القارئ يحسب أن المدينة التي سطا عليها المسلحون تقع خارج الأرض، في أي كوكب لم يعمر بعد. فالمدينة الصحراوية القفر الملعونة التي يجعلها علي بدر تلد قساوة المتشددين، ومن قبلهم كان قد عمرها بشر تجرؤوا على الحمير والبقر فضاجعوها، ليست هي صحراء الحكمة والحرية كما عند إبراهيم الكوني، حيث يستحيل المكان الممتد الخالي من الحواجز، إلى أسطورة ممتلئة بالسحر، أو صحراء عبد الرحمن منيف، حيث الفطرة والطبيعة (الخلاقة)، قبل اكتشاف النفط، وهجوم الإسمنت والحديد والآلة، التي أبادت البداوة الأولى، مقابل تظهير شخصية التاجر النفطي، الذي يكذب ويتلون. وغيرهما من الروائيين الذين رأوا في الصحراء حياة أخرى، غير أن تكون- حصرا- مضخة إنتاج للإرهابيين.
وحتى إن كانت كذلك، بتعليل يمكن إجماله في أن طبوغرافية التخييل تعمر أرضها بما شاءت، فإن من استهدافات الفضاء الروائي، تحقيق الإيهام. ويبدو أن هذا العنصر مهزوز في الرواية، فالمكان اليباب المكروه، الذي سقطت تسميته، من أجل تعميم النموذج ربما (مثلما هو حاصل في رواية «شرق المتوسط» لعبد الرحمن منيف مثلا)، يهجم عليه المتشددون، دفعة واحدة، في غياب- شبه تام، لجواب الأسئلة: كيف تكونت خلية التشدد؟ ما الذي يحصل للإنسان حتى يفقد الهشاشة الإنسانية؟ لماذا غابت الدولة وممثلوها في الرواية؟ أين هي عناصر التمرد والحرية التي تقف في وجه الظلاميين؟ ما الذي يعنيه المقدس في رواية «الكافرة»؟
إن اللغة الشعرية في هجاء المكان قد لا تجيب على هذه الأسئلة.
وسؤال العنف الذي يجتاح المنطقة العربية، بحاجة إلى تناول روائي يتسم بالتركيب. ولعل «فرانكشتاين في بغداد»، لأحمد السعداوي قد خطت عميقا صوب تفكيك الأحواض العكرة التي تولد شخصية (الإرهابي). فلا يمكن فهم عمل روائي يدور حول العنف، وهو لا يكلف نفسه عناء استنطاق (الشخصية الإرهابية)، بما تريده هي، من غير لي ظاهر، أو رسمها في (كليشيهات) نمطية، أقرب إلى البيانات الأمنية.
كاتب مغربي
محمد باللعزيز