«تجسيد اللاموصوف» في أعمال التشكيلية الفرنسية آن ميشيل فري

حجم الخط
0

الكتابة بُعْدٌ أركيولوجي وبُعْدٌ أنطولوجي عميق. فالكتابة إذن وبالمعنى الأدق فعل في الزمان، وحركة، حركة في المكان. إنها إذن «الزمن» بوصفه «الحركة في المكان»، كما تخبرنا الفيزياءـ
تحضر الفيزياء بأبعادها ومعالمها الديكارتية، في لوحة الفنانة الفرنسية آن ميشيل فيري (مينا)، كدال لغوي عالمي تشترك فيه الإنسانية جمعاء، لغة رياضية أو بالأدق «كتابة». في معرضها الذي أقامته في رواق نظر، في الدار البيضاء، طيلة الأيام 6 إلى 29 أكتوبر/ تشرين الأول 2016. الفنانة التي تستقي وتستدرج خاماتها ومفرداتها الفنية من البحث المستمر، في تنقل بين الحضارات وعوالمها، جنوبا شمالا، غربا شرقا، بلا توقف ولا استراحة، إنها بهذا القول في سفر دائم. سفر عنوانه «الكتابة». فلا يمكن تصور فعل الكتابة خارج حدود التجربة الحية للإنسان المبدع… والسفر أعمق تجارب الكائن الإنساني، بل إن السفر من محركات التطور والبدايات المستمرة للإنسان. وما الكتابة إلا مساءلة الذات وعلاقتها بالعالم والآخرين. الكتابة «إظهار لأعماق توجد خارجها أو هي مجرد سطح ينبغي اختراقه لاكتشاف العمق القلقِ الذي كان أصل توليدها».
في التجربة الصوفية نجد تطابقا بين التجربة والكتابة.. فالصوفي يحوّل التجربة إلى كتابة.. إلى القدرة على الكتابة (الاستماع إلى اللغة).. إلى لذة.. أو كما يخبرنا رولان بارت أن «ما كُتب بلذة يُقرأُ بلذة»، ومشاهدة «الأثر الفني» قراءة له. إذ أن الكتابة الصوفية في محاولة لخلق لغة خارجة عن التواصل اليومي والمألوف إنها بهذا لغة اللاموصوف، أو مادية اللاموصوف. هذا ما تعمل عليه الفنانة التشكيلية الفرنسية آن ميشيل فيري، عبر «الكتابة» الحاضرة بأحرفها «العربية» و»اللاتينية» (من اليمين إلى اليسار، ومن اليسار إلى اليمين)، وكما عبر تمظهرها الشكلي، الكتابة الآسيوية (من أعلى إلى أسفل).
تتطابق تجربة هذه الفنانة وفعلها الإبداعي، هي التي جربت السفر والتنقل بين الحضارات، تجعل «الكتابة» تجسيدا لما راكمته من معانٍ، وما جمعته من معارف وما امتلأت به من حضارة، بالإضافة للاشتغال على أسندة من قماش وخشب وغيره، تتنوع حجومها من الدائري إلى المربع الأيقوني بمختلف مقاساته، كما أن الاشتغال لدى مينا يرتكز على المواد الطبيعية، ما يجعل من الأثر الفني موضوع اليومي والذاتي، إنه بهذا ما تقول عنه صوفي بيرنهارت «تذكير بالقيم الأساسية لنقل وطقوسية الفن» . فكما يقول الألماني إرنيست فيشر «فالفن ضروري، لكي يستطيع الإنسان أن يفهم العالم ويغيّره، ولكنه ضروري أيضا بسبب السحر الذي يلازمه». من هذا السحر والطقوسية تنطلق أعمال هذه التشكيلية لتجسيد تلك الأبعاد الروحانية والإلهية والمثالية التي تسكن الفن في روحانيته، ما نسميه بـ»حياة الألوان». فأعمال آن ميشيل هي كسر لكل تلك المادية التي تَسِيرُ بالفن إلى هلاكه، فأعمالها هي انعكاس لذواتنا ولـ»دواخلنا»، إذ أن الفن هو حالة داخلية كما يخبرنا كاندانسكي، إنها بهذا تريدنا أن ننصهر في كونية واحدة، لهذا توظف اللون في بعده الترابي كلون أساسي ضمن مجموعة من أعمالها التي يضمها معرض نظر، في محاولة لاستحضار الأرض عبر بُعد جمالي تجعل الخطوط دالا على تلك الحدود التي تحضر دائما بالجمع، حدود علينا كسرها نحو «كونية إنسانية» واحدة.. وهذا ما يتجسد من خلال توظيف «الكتابة العربية» و»الكتابة اللاتينية» و»الكتابة الآسيوية»، كشكل استيتيقي لمواجهة مفهوم «تصارع الحضارات»، إذ في أحد أعمالها المعروضة عمِدت إلى إدراج إحداثيات الأرض في الفضاء كنوع من التذكير بأننا نعيش على أرض واحدة ضمن إحداثيات واحدة، أما باقي «الحدود» ففقط «وهم» علينا تخطيه. هذا التخطي تُجسِدُه «مينا» بترحالها المستمر ومعارضها الفردية في مجموعة كبيرة من دول العالم، ناقلة بذلك رؤيتها الفنية.
تعني الدائرة في الرياضيات ذلك الخط المكتمل الذي نهايته بداياته، وعند المُتصوّفة كالحلاج وابن عربي هي الكمال الرباني، هي تجسيد للاموصوف، إنها تمثيل للكمال والتعالي إذن، هذا ما تشتغل عليه آن ميشيل فيري في مجموعة أعمالها الأخيرة، إذ عادت إلى الاشتغال على الدائرة، بحثا لتجسيد ذلك الكمال والمثالي في الفن وفي العالم، مُستعينة في أعمالها، إلى جانب الخطوط والدائرة واللون، على تلك المادة «السحرية»، التي تصنعها بيديها كخيميائي من العصر القديم، في بحث عن خلق تلك الشفافية، أو لعلها ذلك الحجاب الذي يفصل الإنسان عن بعضه، حجاب شفاف إلا أنه يستحيل إدراكه لأننا مصابون بـ»عمى المادية» علينا تجاوزه إلى شفافية الروح، إلى تلك الموسيقى الكامنة في فطرة الإنسان، التي لا يمكن تجسيدها إلا عبر محاكاة لونية وتجريدية، وهذا ما تقوم به الفنانة التشكيلية الفرنسية آن ميشيل فيري.
تصنع «مينا» رغوتها الشفافة من السيليلوز تلك المادة الماقبلية لصُنع الورق، إنها بهذا تضع العالم أمام سؤال الأصل وسؤال الطبيعة، وضرورة مراجعة الفعل التدميري الذي يقوم به الكائن الإنساني بالطبيعة ومحيطه. إنها بهذا مرآة مسائلة «للدواخل»… مرآة عاكسة للفعل الإنساني بمختلف تمثلاته الخَيِّرة وعكسها. وتأتي الطبيعة متجسدة عبر مجموعة من الأعمال التجريدية الخالصة التي استعانت الفنانة فيها بتقنيات يابانية قديمة في الطباعة، وذلك عبر تسطيح الخضابات اللونية الطبيعية، على الورق المقوى تضيف إليها المِداد منسكبا في خطوط أو صباغات، أو العمل على لصق الألوان مستعينة بأشرطة، كل هذه التقنيات هي طبيعية خالصة، كأن الفنانة تجيبنا عن سؤال الجمال في الطبيعة.
عبر الكتابة والحركية والبحث وتصنيع الخامات وتركيب مفردات خاصة، وتنويع في الاشتغال على إطار اللوحة، تقدم لنا الفنانة الفرنسية آن ميشيل فري (مينا) أركيولوجية للأحاسيس وتجسّد اللاموصوف.

٭ ناقد مغربي

«تجسيد اللاموصوف» في أعمال التشكيلية الفرنسية آن ميشيل فري

عزالدين بوركة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية