في غمرة استعدادات البيت الأبيض لتشكيل تحالف دولي ضدّ «داعش»، تحت لافتة «العالم الحرّ» بالطبع، مرّت الذكرى الثانية والثلاثون لمجزرة صبرا وشاتيلا، التي ارتُكبت في لبنان تحت سمع وبصر وتسهيل قوّات الاحتلال الإسرائيلية، التي كانت تجتاح لبنان: الحصيلة، حتى يتضح المزيد من حقائقها: 3500 إلى 5000 قتيل، غالبيتهم أطفال ونساء وشيوخ، من أصل 20 ألف نسمة كانوا يقطنون المخيم.
كذلك مرّت الذكرى الثالثة عشر لهجمات 11/9/2001، حين تعرّضت نيويورك، خاصة، لعمليات انتحارية غير مسبوقة في التاريخ، فأطلقت معها ما سلسلة مصطلحات ـ غائمة وغامضة بقدر ما هي ضارة وحمقاء ـ سوف يدمن على استخدامها الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الابن، ويتابع الولع ببعــــضها خلفه الرئيس الحالي باراك أوباما: «الحملة على الإرهــاب»، «محور الشرّ»، «الإسلام الفاشي»، «الإرهاب الإسلامي»… هذا إذا وضع المرء جانباً سلسلة «التطبيقات الأمنية» التي نجمت عن تلك المصطلحات، من السجون الطائرة ومعتقل غوانتانامو وتشريعات المكارثية الجديدة، إلى أفانين التعذيب في سجن أبو غريب وسواه.
وثالثاً، مرّت الذكرى ـ المئوية، هذه المرّة! ـ لاندلاع الحرب العالمية الأولى بين قوى أوروبا الكبرى، حيث لقي تسعة ملايين حتفهم، وحلّ خراب عميم، شامل وغير مسبوق، بإنسان وعمران الدول التي انخرطت فيها. وبين دلالات تلك الذكرى المأساوية، ثمة واحدة ذات خصوصية، لأنها على صلة بتحالف أمريكا الراهن ضدّ «داعش»، أي استخدام صفة «البربرية» على الجانبين: محور الحلفاء يطلقها على الألمان، وهؤلاء يردّون بإطلاقها على البريطانيين والفرنسيين.
وأمّا المناسبة الرابعة، فهي انتهاء العدوان الهمجي الإسرائيلي على غزّة، بحصيلة ضحايا ما تزال مفتوحة، وبدلالة خاصة ذات صلة هنا أيضاً: أنّ الغرب يستفظع سفر مواطنين أوروبيين، مسلمي الديانة، للقتال مع «داعش» في العراق وسوريا؛ ولكنه لا يرى غضاضة، البتة، في سفر مواطنين أوروبيين، يهود الديانة، للقتال مع الجيش الإسرائيلي وارتكاب المجازر بحقّ الفلسطينيين.
خلاصة هذه المصادفات الأربع هي أنّ البربريات نسبية تماماً، وما يعدّه الغرب بربرية في إقدام «داعش» على ذبح صحافي غربي، وهو بربرية صريحة بيّنة لا ريب؛ لا يُحتسب في أيّ تصنيف بربري إذا ارتكبته، بطرائق مختلفة فقط، أطراف مثل إسرائيل، أو الولايات المتحدة أو بريطانيا أو فرنسا… أو أيّ من الدول التي تتحالف، اليوم، ضدّ طراز واحد من البربرية، لعله الأضعف سطوة حتى إذا لاح أنه الأبشع.
خلاصة ثانية هي أنّ بربرية «داعش» ليست سوى بعض تجليات ذلك السحر الذي أدخله الساحر الغربي نفسه، والأمريكي كبير السحرة بالطبع، حين ابتكر «الصناعة الجهادية» الأفغانية، ضدّ الاتحاد السوفييتي. على منوال مماثل، تظل «القاعدة» نتيجة منطقية لحصيلة 11 سنة من التدخل الأمريكي ـ الأطلسي في أفغانستان، وحربين متعاقبتين في العراق، وثالثة في ليبيا، ورابعة في مالي…
وتبقى خلاصة ثالثة يستمدها المرء من السير مايكل هوارد، المؤرّخ البريطاني الأخصائي بتواريخ الحروب؛ الذي اعتبر أنّ مجابهة الإرهاب ليست حرباً، متسائلاً عمّا إذا كانت تسمية «الحرب» تمنح الفريق الثاني، أي «الإرهابيين» أنفسهم، صفة شرعية تستوجب حصولهم على الحقوق، مثل خضوعهم للواجبات، المنصوص عنها في المواثيق الدولية الخاصة بالحروب!
في عبارة أخرى، ألا يصحّ القول أنّ تضخيم بربرية «داعش» على هذا النحو، وحشد عشرات الجيوش العظمى ضدّها، وتأثيمها بصفة مطلقة قصوى… سوف ينقل المياه إلى طواحين هذه المنظمة، فلا تبدو (على الأقلّ في ناظر أنصارها أو المتعاطفين معها) مجرّد ضحية صغيرة تكالب عليها الجبابرة، فحسب؛ بل قوّة عظمى جبارة بدورها، جذابة، مقاوِمة، جديرة بالتأييد و… الانضمام؟
صبحي حديدي