الشاغل الرئيس للشارع العراقي في الأيام الماضية هي تحالف التيار المدني مع التيار الصدري في مظاهرات ازدادت وتيرتها تصاعدا، وبات السيد مقتدى الصدر رمزا من رموز الحراك المطالب بالإطاحة بالحكومة والبرلمان وربما العملية السياسية برمتها.
فتظاهرات الجمعة الماضية كانت على أبواب المنطقة الخضراء وتهدد باقتحامها، بناء على تهديدات اطلقها السيد الصدر في كلمته في ساحة التحرير الاسبوع الماضي، وهنا تساءل المراقبون وأثاروا العديد من الشكوك حول إمكانية ابتلاع التيار الصدري بجماهيريته الواسعة للحراك المدني، بينما رأى البعض أن التيار المدني بتحالفه مع أحد تيارات الاسلام السياسي انحراف عن مساره المدني وتنازل عن علمانيته، بل تعدت الاتهامات ذلك لتطال بعض رموز الحراك المدني ومحاولة تصويرهم بأنهم يسعون بتحالفهم مع التيار الصدري إلى البحث عن فرص للصعود السياسي أو الكسب المادي أو غيرها من الاتهامات التي تطلق جزافا هنا أو هناك. وقد اعتمدت في كتابة هذا المقال على ما كتب في صفحات التواصل الاجتماعي تحريا للأمانة في نقل وجهات النظر المختلفة والمتصارعة في هذه المسألة.
التيار الصدري أحد تيارات الإسلام السياسي، التي تشكلت بعد سقوط النظام عام 2003 مباشرة، وما يميزه عن تيارات الإسلام السياسي الشيعي أنه تيار عراقوي بامتياز، ورموزه بصفة عامة من عراقيي الداخل، بالاضافة إلى تمثيله مهمشي الشيعة وفقرائها، الذين كانوا حطب الاضطهاد ابان عهد الديكتاتورية، والذين لم يتمتعوا بالتغير الذي حصل بعد ذلك، بل بقوا يعانون شظف العيش وعدم تحسن أحوالهم المعيشية، ما أهلهم لأن يكونوا مادة جاهزة للتثوير ضد الوضع الفاسد الحالي، لكن وفي الوقت نفسه عرف عن هذا التيار انجراره للحرب القذرة إبان الازمة الطائفية عام 2006 – 2007، وكان احد اللاعبين الاساسيين في الاقتتال الطائفي. كما تعرضت ميليشيا التيار (جيش المهدي) إلى ضربات قوات التحالف إبان وجودها في العراق. كما تعرضت لضربات موجعة من الحكومات العراقية المتتالية، حتى تم تجميدها ودخول التيار العملية السياسية بتميز منذ عام 2009، كما أن موقفه من تكوين الحشد الشعبي وقتال عصابات «داعش» لم يكن متميزا، لكنه شارك عبر ميليشيا جديدة هي (سرايا السلام) في بعض المعارك، وكانت توجيهات قيادته هي اقتصار مهام السرايا على حماية الأماكن الشيعية المقدسة في سامراء، وقد كان هنالك صراع واضح مع مكونات أخرى في الحشد الشعبي كانت قد انشقت عن التيار الصدري نتيجة خلافات متراكمة، مثل «عصائب اهل الحق» وميليشيا «حزب الله العراقي»، اللذين وصفهما السيد مقتدى الصدر اكثر من مرة بـ (الميليشيات الوقحة)، كما أن التيار الصدري له كتلة برلمانية ضخمة هي كتلة الاحرار المكونة من اربعين عضوا في البرلمان، وست وزارات في الحكومة الحالية، ما يجعله جزءا لا يتجزأ من فساد الحكومة، التي خرجت المظاهرات تنادي بسقوطها، ومحاسبة الفاسدين فيها. لكل ذلك كتب بعض رموز الحراك المدني محاولين توضيح الموقف وإزالة اللبس في التغير الحاصل بعد تحالفهم مع التيار الصدري، فقد كتب الشاعر والصحافي والناشط المدني احمد عبد الحسين ردا على سؤال؛ ماذا اذا رأيناك تُبتَلع أنت ورفاقك المدنيون من قبل تيار إسلامي متشدد، قياداته وعناصره جزء فاعل في طبقة سياسية، خرجْتَ ورفاقك لتخليصنا منها؟ فكان رده؛ هذا تهويل لفظي لا أكثر، هدفــــنا التخلــــص من حكـــومة فاسدة ونظام محاصصة، التيار الصدري يشاركنا هذا الهدف، وهو التيار الوحيد الذي يستحق اسم تيار، لأن له جمهور، وهو الوحيد الذي رأيناه مستعدا لأن يتغير عكس الأحزاب الأخرى، البعض ينظر للتيار الصدري بوصفه 46 شخصاً، وإذا افترضنا جدلا أنهم كلهم فاسدون، هم ستة وزراء وأربعون نائباً فقط، لكننا ننظر إلى أربعة ملايين مواطن مسحوق فقير، هو ليس كحزب الدعوة بلا جمهور تقريباً، بل مجرد سياسيين لصوص.
كما أشار إلى أن في التيار فاسدين، وهذا أمر معروف، وقد طرح الموضوع على السيد الصدر وقد تبرأ منهم، وهو الوحيد الذي تبرأ من أتباعه لحد الآن، وطرح أحمد عبد الحسين أن التحالف الحاصل هو تحالف مع الجمهور الصدري، لأنه شريك في المحنة والفقر والألم من ضياع الوطن على يد اللصوص، كما يرى التيار المدني أن الصدريين حملوا السلاح في الحرب الأهلية ولهم خطاياهم، لكنهم منذ سنوات عدة، افترقوا عن إيران، تقربوا للعلمانيين كثيرا وتقاربوا مع السنة، وأن خطوة السيد الصدر في تشكيله لجنة لاختيار حكومة كل اعضائها علمانيون تعتبر خطوة لافتة.
إن مشكلة مدنية وعلمانية التيار المدني أصبحت على المحك في هذا التحالف، فكيف يمكن العمل على إنشاء دولة مدنية علمانية تقوم على أسس واضحة من قيم المواطنة واحترام الحريات وقيم المساواة في الحقوق والواجبات العابرة للتنوع الديني والطائفي والإثني في العراق، والعديد من هذه المحاور تتقاطع مع تيار بُني أساسا على فكر السيد محمد الصدر القائم على الولاية العامة (ولاية الفقيه) وهي دولة دينية تتقاطع مع الدولة المدنية جملة وتفصيلا، إلا أن بعض مثقفي الحراك المتميزين كانت لهم وجهة نظر تحاول أن تجد حلولا لهذه المشكلة، فقد كتب عالم الاجتماع العراقي فالح عبد الجبار بهذا الخصوص؛ ثمة جدل حول العلمانية وجواز اجتماع العلماني مع الديني، إلا أن السؤال مغلوط أصلا، من يدعو لحكومة تكنوقراط هو علماني سيان كانت على رأسه قبعة أو عمامة أو برنيطة، أو كان حاسر الرأس، العلمانية هي فصل السلطة الدينية عن السلطة السياسية على مبدأ الاختصاص، وبما ان السياسي المدني لديه آراء دينية، كذلك الفقيه لديه آراء سياسية في الشأن العام، ونحن نعرف نماذج عالمية مهمة لرجال دين علمانيين كالاسقف ديزموند توتو، الذي قاد حركة إلغاء الفصل العنصري بجنوب افريقيا والقس مارتن لوثر كنغ، الذي قاد حركة الحقوق المدنية، كما أن مارتن لوثر مؤسس البروتستانتية هو أبو العلمانية الحديثة، العلماني قد يكون متدينا وقد لا يكون، لكن تبقى مهمته الأساسية هي ارجاع منابع السلطة إلى المجتمع لا الآلهة او انزالها إلى الارض لا رفعها إلى السماء. كما اشار إلى التمييز بين العلمانية كموقف والمهنة كرجل دين او التخصص كفقيه، فأشار إلى ان ثمة رجال دين علمانيون وعلمانيتهم مبنية على قواعد إيمان ديني، مثال ذلك جمال الدين الافغاني و حمد عبده الذي اصبح شيخ الازهر، هما وغيرهما طلبا الديمقراطية ومحاسبة الحاكم باعتباره موظفا دنيويا، وكذا فعل الشيخ علي عبد الرازق مؤلف كتاب «الاسلام وأصول الحكم»، حيث نفى أن يكون الحاكم مقدسا أو إطاعته واجبا دينيا، هذه كلها سياسات ومواقف ورؤى علمانية، وان من لا يفهم هذا لا يمكن ان يفهم معنى العلمانية وتجلياتها ولا يستطيع أن يبني جبهة علمانية لمساءلة الحكام.
لكن بعض منتقدي هذا التحالف من كتاب ومثقفين ردوا على هذه الرؤية بطرحهم وجهة نظر مختلفة مفادها، إن العلمانية هي فصل الدين عن السياسة بمبدأ الاختصاص، وهذا في الفكر الغربي، يعني مبدأ فصل اختصاص السماء عن اختصاص الأرض، أما التأويل الذي يقدمه الاسلام السياسي، فالمقصود به هو الاختصاص التقني، إذ أن الدين عندهم يختص بشؤون الأرض والسماء معاً، فحتى لو دعا رجل دين لحكومة تكنوقراط، فلا يعني ذلك أنه ترك الدين السياسي وتعلمن. إن مشكلة العلمانية في العالم الإسلامي هي مشكلة وعي لها مفكر، والإسلام قبل مفكري التيارات السياسية اللادينية، لذلك سعى فقهاء الاسلام ممن تعاطى مع مسألة الحكم والدولة إلى بسط أدلتهم الفقهية على حاكمية البشر بالولاية الربانية، لذلك يرى منتقدو التحالف بين التيار المدني والتيار الصدري، أن هذا التحالف يخرج بمطاليب شكلها مدني وهو حكومة التكنوقراط، ولكن في سياق دولة الإسلام، فالحكومة التنفيذية مدنية ولكنها متسلط عليها من قوة دينية تنطلق في تحديد الخير والشر والصلاح والفساد من مبدأ التكليف الشرعي القائم على النص والاجتهاد الفقهيين اللذين لن يتنازل عنهما الفقهاء نهائيا، كما يرى المنتقدون أن حكومة التكنوقراط يجب أن تقوم بتسلط مبادئ أخلاقية وقانونية لدولة مدنية، لا لدولة فقهية وأن التحالفات الآنية التي تحركها دوافع سياسية مرحلية ستقود إلى كارثة دموية. ويذكرون بما حصل للتحالف الذي تم بين حزب تودة والقوى المدنية مع التيار الاسلامي الذي قاده الخميني في مطلع الثورة الايرانية، هذا التحالف الذي انتهى باقصاء كل التيارات المدنية وتسلط الدولة الدينية التي فرضها الفقهاء على ايران. ومع كل هذه التداعيات تستمر كرة الأزمة العراقية بالتدحرج منذرة بخطر لا يعلم أحد المديات التي قد يصل لها في الايام المقبلة.
٭ كاتب عراقي
صادق الطائي