بيروت – «القدس العربي»: «اشّتدي أزمة تنفرجي» قول مأثور يثلج قلب معظم العائلات اللبنانية لكنه لا ينطبق على واقع حال العائلات التي باتت ترزح تحت ثقل الأعباء الاقتصادية والإجتماعية والصحيّة الضاغطة والتي تهدّد مصيرها وتنذر بعواقب وخيمة قد تصل الى حدّ ملامسة الجوع لدى البعض وعدم القدرة على الاستشفاء والطبابة والتعليم وصولاً الى تفكّك أواصر العائلة وتشرّدها. والأصعب من ذلك هو عمليات الانتحار التي شهدتها بعض العائلات نتيجة تراكم الديون وعدم القدرة على تسديدها.
نعم انه واقع صعب وأليم للغاية تعيشه حالياً الأسرة اللبنانيّة التي استطلعنا في «القدس العربي» أوضاعها الإجتماعية التي تفاقمت حدّة وصعوبة بسب ازدياد النفقات وقّلة المداخيل وعدم تصحيح الرواتب وتفشيّ البطالة في صفوف المواطنين والشباب نتيجة منافسة اليد العاملة الأجنبية ناهيك عن ملف النازحين السوريين الذي بات يعتبر قنبلة متفجرة تهّدد بانفجار إجتماعّي لا تحمد عقباه في حال لم يتم تدارك الأمر.
والأزمة المعيشية ليست «بنت الساعة» بل هي نتيجة تراكمات وسياسات اقتصادية أوصلت الى هذا التدهّور الدراماتيكّي وسط تحذيرات عديدة من قبل البنك الدوليّ وخبراء ورجال اقتصاد لم تؤّخذ في حينها على محمل الجّد من قبل المسؤولين، الذين لم يبادروا الى ايجاد معالجة جذرية للوضع الاقتصادي المزري، الأمر الذي انعكس بشكل سلبّي على حياة الأفراد والعائلات من ذوي الدخل المحدود. وإزاء هذا الوضع المتفاقم وانهيار الطبقة الوسطى في لبنان التي كانت تعتبر صمّام الأمان للمجتمعات، بدأت الكثير من الأسر اللبنانية تصارع من أجل البقاء وتأمين حياة كريمة لها ولأبنائها تقيهم المآسي والمجاعة والعوز بسبب الأرتفاع الجنونيّ لأسعار المواد الأساسيّة من المأكل والمشرب والدواء وازدياد الأقساط المدرسية، تعتمد سياسة تقشفيّة انطلاقاً من القول المعروف «على قدّ بساطك مدّ اجريك « حتى تتمكن من المحافظة على استقرارها العائلي وتعليم أولادها.
هذا باختصار ما ذكره لـ «القدس العربي « عدد من المواطنين الذين استطلعنا واقعهم الذي لا يمتّ الى الحياة بصلة، بيوت تفتقد السلامة بسبب ضعف الامكانات المادية ولا أحد يبالي، إناس تمنّوا الموت بدل العيش بذّل وفي ظروف قاهرة بعد ان فقدوا الأمل بمستقبل واعد وزاهر، وهذه أبرز الآراء التي تلقيناها :
وداد ايليّا ربّة أسرة ولها 4 أولاد استغربت هذا الارتفاع الجنونيّ للأسعار من خضار وفواكه وحليب ومشتقّاته وقالت:»ليس لنا معين سوى الله، فأنا وزوجي نعمل حتى نؤّمن معيشة أولادنا ونحن نعتمد على رغيف الخبز في أغلب الأحيان كقوت يوميّ …وقد اضطررنا هذا العام الى وضع الأولاد في المدرسة الرسمية، لأنه لا يمكننا أن ندفع الأقساط المدرسية في المدرسة الخاصة التي لا يزال علينا بعض الديون المتراكمة التي نعمل على تقسيطها وتسديدها شهرياً عن السنوات الماضية ….»
سليم عوض قال بدوره انّ الوضع الاقتصادي قد تجاوز الخطوط الحمراء ولا أحد يسأل ويهتّم، فالأسعار الى مزيد من الارتفاع وهي تكوينا بنارها وتحرق جيوبنا الفارغة أصلاُ … وقد ارتفعت بعدما تمّ التلويح بإقرار سلسلة الرتب والرواتب التي لا تطالنا كقطاع خاص بل فقط تطالنا دائماً الرسوم والمدفوعات التي بات يُحسب لها ألف حساب …».
أمين صالح رأى بدوره «أنّ التحديّات باتت أصعب بكثير والمواطن يصارع من أجل ديمومته وفي عائلتنا سجّلت حالة مأساوية هي أقدم أحد انسبائي على الإنتحار لوضع حدّ للديون التي تراكمت عليه، فهو قد اقترض من أحد المصارف لشراء منزل وسيّارة ولتعليم أولاده وتوقّف عمله فجأة بسبب إقفال المعمل الذي كان يعمل عنده، وبدأ العّد العكسي فلم يعد في مقدوره تسديد الدين المتوّجب عليه فبدأت المحاكمات فإنتزعت الشقة منه ونشب خلاف بينه وبين زوجته، فما كان منه سوى أنّ سّدد رصاصة في رأسه وفارق الحياة».
ماذا يمكننا القول عن وضع الموظف العادي، قال سمير بو ضاهر: «المدخول هو هو، أما النفقات فحدّث ولا حرج …فالموظف العادي محدود الدخل تراه يدفع الرسوم مرتين مرة لشركة المياه التي لا تؤّمن له المياه فتراه مضطراً أن يدفع من اللحم الحيّ ثمناً للصهاريج ولمياه الشرب، وكذلك الأمر مع الكهرباء وهكذا دواليك ….» وتابع قائلاً:»الموظف يحتاج إلى نصف راتبه الشهري لتأمين الرسوم والنصف الآخر لتأمين الضروريات والله يستر إذا تعّرض لآي حالة مرضيّة فتكون مصيبة على مصيبة …».
حنان رعد لخصت الوضع القائم بما يلي :»تضغط الظروف الاقتصادية والمالية الصعبة التي يمر بها لبنان على المواطنين بقوة، فيعمد المواطنون إلى الإقتراض من مصارف ومؤسسات تمويل خاصة وشركات تجارية من دون أن يستطيعوا سداد ما اقترضوه في المهل المحددة، وهنا تبرز الخلافات بين أفراد العائلة وهذه احدى الأسباب التي تؤّدي الى الطلاق لانّ كلّ شخص يحمّل المسؤولية للآخر …».
أيمن عبدالله اكتفى بالقول «انّ الوضع المعيشي أصبح صعباً للغاية والحياة باتت لا تحتمل ولا تطاق ونحن نعيش في ظروف مأساوية وهذا ما يضطرّنا الى الهجرة ولو بأي شكل من الأشكال».
شهادة أخرى من جلال احمد الذي أوضح «انّ راتبه مليون ليرة يصرفه على الأمور الحياتية الأساسية من أكل ومشرب ومدارس وتأمين .. وببساطة هذا الوضع لا يسمح لي ولا لعائلتي ان نعيش بكرامة حتى نهاية الشهر …فماذا نفعل؟ هل نسرق؟ أين هم المسؤولون؟ لا يعيرون اهتماماً لأوضاع الناس العاديين … هم يعيشون في رفاهيّة ولا يتطلّعون الى الشعب الاّ وقت الانتخابات …فعلى الشعب أن يعيد حساباته ولا يصوّت مرة أخرى لهم …».
واستناداً لما ذكره المواطنون وللوضع القائم يتبيّن أن هناك نحو 60 في المئة من اللبنانيين معنيون بشكل أو بآخر بمشكلات الفقر المدقع وهذا ناتج عن هشاشة الوضع الإجتماعي الذي يتطابق مع إحصائيات البنك الدولي عن أن حوالي 28٪ من اللبنانيين يعيشون ما دون خطّ الفقر. أضف إلى ذلك أن 170 ألف مواطن مرشحون للإنحدار الى هذا المستوى نهاية العام 2014.
وحيال هذا الأمر بادرت الحكومة اللبنانية السابقة ممثلة بوزارة الشؤون الإجتماعية الى وضع برنامج وطنيّ يهدف الى دعم الأسر الأكثر فقراً ويقوم على تحديد مستوى فقر الأسرة من خلال تقييم حالتها الاقتصادية والإجتماعية استناداً الى مقررات مؤتمر باريس 3 في العام 2007 . وقد استطاع هذا البرنامج منذ انطلاقته ووفقاً للإحصائيات إستقبال 92 ألف طلب لأسر من المناطق اللبنانية كافة وتمّ تصنيف 46362 أسرة منها عند ما دون خط الفقر الأدنى.
غير ان مصادر متابعة في وزارة الشؤون الإجتماعية رأت أن هذا المشروع لوحده لا يكفي لتقليص هذه الأعداد الهائلة من الفقراء بل هو يتطلب أيضاً المزيد من المبادرات العملية أهمها: – الاستقرار السياسي والأمني عبر حلّ النزاعات ووضع برنامج نموّ إقتصادي شامل يولّد فرص عمل جديدة للشباب اللبناني.
كما أعتبرت المصادر عينها أن مسألة الوافدين السوريين التي ضاعفت من حدّة الأزمة تستدعي إجراء ضغط على الوزارات المعنية أهمّها وزارات العمل والاقتصاد والصناعة لمنع توظيف العمال الأجانب فضلاً عن وضع مشاريع إنمائية من شأنها تحسين المستوى الإجتماعي للمواطن.
يبقى أنه في ظلّ الخطط الرسمية الغائبة وتفاقم الأزمة المعيشية اليومية للمواطن اللبناني، فإن الحلول المقترحة ليست سوى بمثابة تمنّ من كل لبناني على أمل أن تتحوّل ذات يوم الى واقع عملي يجنّبه عناء أكثر. الى ذلك، تبقى الأكثرية الساحقة من اللبنانيين رهينة ما سيؤول اليه تفعيل هذه الخطط الإنقاذية وأخذها على محمل الجدّ.
ناديا الياس