يواجه الرئيس الإيراني «المعتدل» حسن روحاني بعد فوزه في الانتخابات الرئاسية الأخيرة والتي حصد فيها 57 في المئة من أصوات الناخبين تحديات جمة على الصعيد الداخلي والدولي. فعلي الصعيد الدولي تمثل علاقات طهران مع المجتمع الدولي بالأخص مع كل من واشنطن والرياض أولى معارك روحاني الذي يواجه معارضة شرسة من التيار المحافظ لسياساته الخارجية.
إلا أن روحاني الذي اجتاز أصعب اختبار في مشواره الرئاسي حتى الآن وذلك بكسب ثقة غالبية الناخبين والتي اعتبرها الكثيرون استفتاءً على سیاساته للانفتاح على العالم والنهوض باقتصاد البلاد والتي مكنته من الفوز بفترة رئاسية ثانية، لن يسلم مستقبلاً من الضغوط التي لا يزال يهدد بها المحافظون المتشددون بشأن السياسة الخارجية للحكومة التي لا تزال تعتز بما حققته حتى الآن من إنجازات كالاتفاق النووي الذي توصلت إليه مع القوى الكبرى في 2015 كإحدى أكبر إنجازاتها والذي تمخض عنه رفع جزئي للعقوبات عن إيران وإنقاذها من تهديد الحرب. وبالرغم من انتعاش الصادرات النفطية وتراجع التضخم، فإن البطالة ما تزال الهاجس الأكبر للمواطنين خصوصا بين الشباب.
وربط روحاني الكثير من وعوده الانتخابية الداخلية بما فيها الملف الاقتصادي والقضاء على البطالة بتحسين علاقات إيران بالمجتمع الدولي وجذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية في مجال النفط والغاز والصناعات الأخرى والسياحة ورفع ما تبقى من العقوبات الدولية على إيران، كما أنه ربط تحسن الأوضاع الاقتصادية بتحسين معيشة المواطنين الذي سيضع روحاني في وضع أقوى للدفع بالإصلاحات الهيكلية للحقوق المدنية للمواطن الإيراني التي وعد بها في حملته الانتخابية الأولى عام 2013.
إلا أن التيار المحافظ المدعوم من قبل المرشد الأعلى علي خامنئي والذي يملك آليات ضغط سياسية وأمنية كالمؤسسات الدينية والسلطة القضائية والحرس الثوري لا يزال يعتبر السياسة الخارجية للجمهورية الإسلامية من اختصاص المرشد الأعلى وحده ولا يجوز لأي شخص تجاوز الخطوط الحمراء دون الرجوع إليه، كما يهاجم بشدة الاتفاق النووي.
وعود وتمنيات
فمن بين وعود روحاني إصراره الدائم على تحسين العلاقات مع المجتمع الدولي ودول المنطقة بما فيها المملكة العربية السعودية، إلا أن الانتخابات الرئاسية تزامنت مع زيارة دونالد ترامب للرياض ومشاركته في القمة الإسلامية الأمريكية، وسياسة التصعيد والمواجهة التي انتهجتها كل من واشنطن والرياض تجاه إيران، الأمر الذي سيضعف من موقف روحاني داخليا.
ويأمل روحاني في خلق علاقات بناءة مع المجتمع الدولي بالأخص مع دول الجوار من أجل المضي قدما في سياساته الاقتصادية التي ستستند أساسا على التصدير المستدام للمنتجات الإيرانية دون أن تتأثر بالظروف السياسية، الأمر الذي يتطلب تخفيف حدة التوتر والقضاء على التهديدات والمخاطر التي تستهدف إيران، ولهذا يحاول روحاني استغلال الخلافات التي تسود العلاقات بين القوى العظمى من أجل إبطال أي مشروع أمريكي ضد إيران وتقارب أكبر مع أوروبا.
ورغم هذا كله فإن ردود الأفعال الدولية المهنئة بفوز الرئيس الإيراني حسن روحاني بولاية ثانية كانت أكثر إيجابية مقارنة بالحلف المتعثر الذي شكلته كل من واشنطن والرياض ضد إيران، سواء القادم من الحلفاء التقليديين لإيران كروسيا والصين، أو حتى أوروبا التي تعوّل طهران كثيرا على دورها وبعض دول الأعضاء فيها لرفع العقوبات المتبقية عليها أو جعلها دون جدوى.
وكان الرئيس الفرنسي الجديد إيمانويل ماكرون من بين أول المهنئين بفوز الرئيس الإيراني حسن روحاني على إعادة انتخابه، مؤكدا حرص فرنسا على تطبيق الاتفاق النووي بين طهران والقوى العظمى. ونقل البيان الصادر من الإليزيه عن الرئيس الفرنسي قوله: إن إعادة انتخاب الرئيس روحاني سيعزز الآمال بأن تطبق حكومته بصرامة الاتفاق التاريخي الموقع في 14 تموز/يوليو 2015 والذي أتاح إيجاد حل دبلوماسي للخلاف النووي وبدء مرحلة جديدة بين إيران والمجتمع الدولي.
وأضاف البيان أن ماكرون يطلب من حكومة رئيس الوزراء إدوارد فليب العمل على تعزيز العلاقات الاقتصادية والعلمية والثقافية مع إيران. كما شدد أيضا على الحاجة الملحة للسعي من أجل حل دبلوماسي للصراعات في الشرق الأوسط ودعا إيران لتبني نهج مماثل.
من جانبها هنأت الممثلة العليا للأمن والسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني روحاني بإعادة انتخابه رئیسا لإیران، مؤكدةً استعداد الاتحاد الأوروبي لمواصلة تعاونها مع إیران لتنفیذ بنود الاتفاق النووي والتعاون الثنائي لإحلال السلام في المنطقة، وأن الشعب الإیراني شارك بحماس في تقریر مصيره السیاسی.
كما هنأ وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون الرئيس الإيراني بفوزه لولاية ثانية وقال: أحرزنا تقدما جيدا في تحسين العلاقات البريطانية الإيرانية بما يشمل رفع مستوى العلاقات الدبلوماسية، ورحب بمواصلة التزامه بالاتفاق النووي الموقع عام 2015.
وتعول إيران كثيرا على الدور الأوروبي في ضمان تنفيذ بنود الاتفاق النووي وجذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية كما أنها تطمح لرفع مستوى التبادل التجاري بين طهران ودول الإتحاد الأوروبي، تمثلت في العقود التجارية التي وقعتها إيران مع بعض الدول الأوروبية أثناء زيارة روحاني مطلع العام الماضي لكل من إيطاليا وفرنسا، حيث سعت طهران ومنذ التوقيع على الاتفاق النووي للتقارب مع الإتحاد الأوروبي، من أبرزها توقيع اتفاق تجاري مع عملاق صناعة الطيران الأوروبي «إيرباص» يشمل شراء 114 طائرة بقيمة 20 مليار دولار.
وأثناء تلك الزيارة وقعت إيران على إتفاق يسمح للشركات الفرنسية العاملة في صناعة السيارات كشركتي «بيجو» و«رينو» الفرنسيتين بالعودة والاستثمار في صناعة السيارات الإيرانية، من بين تلك العقود العقد المبرم مع شركة «بيجو» لإنتاج 200 ألف سيارة سنويا من سيارات بيجو في إيران، بعد ما انسحبت من إيران في 2012 بسبب العقوبات الدولية.
ومع وجود رغبة حقيقية لكبرى الشركات الأوروبية بالعودة إلى السوق الإيرانية، تطمح طهران لجذب المزيد من الاستثمارات الأوروبية للبلاد بالأخص ما يساعدها على تطوير صناعتها النفطية التي تأثرت كثيرا بالعقوبات، ولا تخفي كبرى شركات النفط الأوروبية رغبتها للعودة لإيران والاستثمار فيها من جديد.
كما تسعى إيران لتطوير علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من خلال شراكة سياسية مستدامة والاستعانة بالاتحاد الأوربي في حل أزمات منطقة الشرق الأوسط بالأخص الأزمة السورية واليمنية وإيجاد تعاون أمني أوسع بهدف مكافحة الإرهاب المتمثل بتنظيم «داعش» في المنطقة.
فاضل مندني