يعود المجتمع المدني العربي ليشكل أحد تجلياته الواقعية في الحراك المدني اللبناني، وقبلها تحرك الشارع العراقي أيضا ضد الفساد. وفي مصر، هرج ومرج أثاره إعلان موعد الانتخابات العامة. مما أظهر عجز الأحزاب المصرية عن الاستعداد الجيد لهذا الاستحقاق. وطرحت هذه الأوضاع القلقة التساؤلات حول إمكانية تحقق التحول الديمقراطي المستدام بعد مرور أكثر من أربع سنوات علي ما سمي بـ «الربيع العربي». والذي لم يعد يوحي بأمل، بل داهمته في بعض الاحيان نظرية المؤامرة. وقد نسب هذا الحدث لبعث المجتمع المدني في الواقع السياسي العربي. وعوّل الكثيرون على المجتمع المدني كرافعة للثقافة السياسية العربية الخامدة. ولكن مفهوم المجتمع المدني ظل محاطا بكثير من الإشكاليات والمشكلات، بدءًا من التباس المفهوم وحتى مجالات وطرائق الممارسات. ورغم ذلك، نسبنا الإنتفاضات الشعبية الأخيرة، لفعل المجتمع المدني. وهو التحليل الأقرب للصواب، رغم وصفها بالعفوية، وعدم وجود قيادة، ولكنها إنعكاس صادق لمستوى تطور المجتمع المدني. وكان من الطبيعي أن تكون النتيجة «ثورات ناقصة» حققت نصف شعارها «الشعب يريد اسقاط النظام». لأنه من المفروض أن يتلازم مع سقوط أي نظام، وجود البديل الذي يمكن أن يحل محله. وهذا لم يحدث، واكتفينا بالقول الساذج « سرقة الثورة».
يظل التعويل على دور المجتمع المدني هو المخرج الوحيد الناجع من حالة السيولة السياسية الراهنة، شرط تجنب بعض المحاذير والارتقاء بنواقصه نقدا وتطويرا. وهذا يعني أن يتحول المجتمع المدني في البلدان العربية إلى كتلة تاريخية بالمعنى الغرامشي أو إلى جبهة وطنية-ديمقراطية ذات برنامج جامع. ولكن هنا يبرز أحد أهم المحاذير: هل يتوقع أن تكون منظمات المجتمع المدني بديلا للأحزاب السياسية؟ وهذا سبب الصراع المفتعل بين الاثنين، فهناك حزبيون يخشون من أن يكون المجتمع المدني بديلا للحزبية وليس مكملا وداعما لحياة حزبية متطورة. ومن الطبيعي أن تثير الإدانة للـ « طبقة السياسية التقليدية» مثل تلك التخوفات، باعتبار أن التعميم ضار وغير دقيق. ومن ناحية أخرى، هناك نشطاء كثيرون في المجتمع المدني ينفون عنه صفة التسييس، وهذا فهم قاصر لدور المجتمع المدني. إذا لابد أن يكون مسيسا أي مهتما بالسياسة كمجال للشأن العام ومصائر الناس، وشروط حياتهم الكريمة. وهذا يكشف عن خلط كبير بين مفهوميّ التحزب والتسييس، فالمجتمع المدني ومكوناته ليست حزبية، ولكنها بالضرورة سياسية طالما يدافع عن حقوق الإنسان الأساسية ويطالب بالتنمية وتحسين الاوضاع الاقتصادية.
يظل المجتمع المدني العربي، رغم التوقعات والممكنات، مثقلا بسلبيات لازمته منذ نشأته الأولى وتحولت لمعوقات تعطل إنطلاقته وقيامه بدور المنشود والممكن. فمن المعلوم أن المجتمع المدني بشكله الحديث ليس نتاجا طبيعيا لسيرورة تاريخية للمجتمعات العربية، فقد تم استزراعه من الخارج مثل الدولة الحديثة، ولهذا يظل ارتباطه بالخارج قويا حتى ينضج ويستقل بنفسه، وهذا ما لم يحدث حتى الآن بصورة كاملة. وقد جاءت هذه النشأة وسط نمو مجتمع مدني دولي بمعنى تأسيس تشبيك واسع (أي بناء شبكات) مع منظمات محلية واقليمية على مستوى عالمي. ومن أبرز مظاهر هذه الظاهرة انسياب التمويل الاجنبي من الدول الغربية، وزيادة النشاط المشترك مع الخارج. وفي هذه الأجواء لم يستطع المجتمع المدني الإنطلاق، ووجد نفسه في حالة دفاع مستمر وتبرير دائم لطبيعة علاقته مع الخارج، إذ يتم ابتزاز المجتمع المدني بتهم العمالة والاستقواء بالاجنبي كلما انتقد الدولة وكشف عن ممارساتها اللاديمقراطية، وانتهاكاتها لحقوق الإنسان.
يبقى موضوع التمويل الاجنبي، نقطة ضعف شائكة في حركة منظمات المجتمع المدني. رغم أن تهمة العمالة مجرد تهريج سياسي وتبرير للقمع الامني.. وذلك، ببساطة لأن أفعال العمالة والتجسس لا تتم علانية، علما بأن كل تعاملات التمويل تشهر وتنشر في التقارير التي يوزعها المانحون والمتلقون. كما تتم عملية تقديم المنح بعد المرور باجراءات دقيقة وتنافس قوي. وتخضع المنح لمتابعة محاسبية دورية وتقديم تقارير. ولكن هذا لا يعني طهارة المجتمع المدني وخلوه من الفساد، ولكن انتشار الفساد لا يختلف عن وضع أي مؤسسة بشرية حتى ولو كانت حكومية. والخروج من هذه المعضلة لن يتأتى إلا بوجود رأسمالية وطنية عربية ذات حساسية عالية بالعمل الإنساني والتطوعي، تخصص جزءا من أرباحها لدعم منظمات المجتمع المدني بلا شروط ولا تدخل في عملها. ففي الغرب تنتشر الوقفيات والمنظمات التي تدعم بسخاء للتعليم والثقافة والفنون والصحة والعمل العام، مثال مؤسسة (بيل وميليدا غيتس). ولكن تفتقر البلدان العربية لمثل هذه الالتزامات الأخلاقية التي يمكن أن تساعد منظمات المجتمع المدني في التحرر من الاعتماد على الخارج. فرغم ثراء كثير من الجتمعات العربية، ولكن لا تنتشر فيها ثقافة التبرع والتطوع رغم الارشادات الدينية. وهذا ما يفسر اتهامات العمالة وسوء الظن، لأن أغلب العرب لا يصدقون أن هناك من يقدم عونا ماديا بلا شروط أو مصلحة.
يعاني المجتمع المدني العربي من ضعف الأسس النظرية والفكرية. هذا فقد عُرف أفراده بصفة « نشطاء» مما يوحي بالحركية علي حساب الفكروية. فالمرء لا يجد كثيرا من الادبيات والكتابات التي تبحث وتحلل نظريا المجتمع المدني العربي. ومن الملاحظ أن الدراسات الفكرية القليلة، قام بها أجانب. ويعتبر الاهتمام بالقضايا المرتبطة بالوعي السياسي والحقوق الأساسية، وعلى رأسها المواطنة والمشاركة الحقيقية في السلطة والثروة، من أولويات المجتمع المدني. إذ يفترض أن يعمل على تثقيف كل الفئات من إدراك هذه الحقوق. ففي العالم العربي مازال مفهوم المواطنة لم يحسم كمكون أساسي للدولة الوطنية الحديثة. فهناك قطاعات كبيرة لا تعترف بالمواطنة باعتبار أن العقيدة الدينية هي التي تجمع وتكون الكيانات السياسية. علما بأن الجماعات الاصولية لا تعترف بالدولة الوطنية وتدعو لوحدة الأمة الإسلامية. وتكمن الخطورة في تزامن تلك الدعوات مع تراجع الدولة الوطنية في أداء وظائفها الشرعية. فكثير من الدول العربية تندرج ضمن الدول الفاشلة. إذ لم تعد هذه الدول قادرة على حماية كامل ترابها الوطني. كما تنازلت عن تقديم الخدمات الضرورية للمواطنين، فقد خصخصت التعليم والصحة، لحد كبير. وهذه معركة فكرية مصيرية تستوجب تفكير وتنظير المجتمع المدني العربي، أكثر من الحركية والنشاط.
من البديهيات تأكيد أهمية المجتمع المدني في الحياة العامة العربية، وخاصة السياسية. ويبقى الضمانة الوحيدة لتجاوز الفراغ السياسي والحيرة الفكرية. ولكن السؤال هو إمكانية الاستمرارية والتأثير، وإحداث التغيير وفرض الأجندة والمطالب. فغالبا ما يعبر المجتمع المدني عن نفسه، من خلال الحراك السلمي مثل التظاهرات والاعتصامات، وهذه وسائل تستطيع السلطة السياسية الالتفاف حولها مستفيدة من الجنرال الزمن. فطول الوقت ليس في صالح أي حراك شعبي، إذ يصعب تعبئة الجماهير يوميا ولفترات طويلة، فسرعان ما يقل الحماس ويدب الضجر، وبالتالي يقل عدد المشاركين. والأهم من كل هذا، هو الاجماع حول الاحتكام في اتخاذ القرار السياسي إلى الصندوق أي الانتخابات النيابية وليس إلى حجم الشارع وأعداد المتظاهرين. فكيف يستطيع المجتمع المدني أن يتحول إلى أصوات انتخابية، ومقاعد برلمانية، وتنظيم جامع ومستدام ؟ هذا هو السؤال الحاسم.
٭ كاتب سوداني
حيدر ابراهيم علي