الناصرة-»القدس العربي»: ابتهجت إسرائيل بفوز دونالد ترامب بالرئاسة الأمريكية لاسيما حكومتها وأوساط اليمين فيها التي ترى به شبيها لها بالتوجهات السياسية الاقتصادية والاجتماعية المتطرفة والعنصرية. وينم الابتهاج الإسرائيلي الرسمي عن الرهان على موقف ترامب السلبي من العرب والمسلمين والفلسطينيين وعلى نهاية عهد الدولة الفلسطينية كما تجلى في تصريحات وزير التعليم المستوطن نفتالي بينيت. بيد أن مراقبين إسرائيليين يحذرون من استباق الأحداث ومن احتمال دخول كل المنطقة في المجهول ومن ردود فعل معاكسة يقوم بها ترامب في تعيينات موظفين كبار من حوله، ومن أن الحزب الجمهوري أيضا ملتزم بتسوية الدولتين خلافا لما تشتهيه السفن الإسرائيلية. على غرار قادة اليمين المتطرف، يرى رئيس «معهد أبحاث الأمن القومي» في جامعة تل أبيب، اللواء في الاحتياط عاموس يدلين(رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية السابق) أن هناك نافذة فرص بالنسبة لإسرائيل بانتخاب ترامب خاصة بعد «السنوات العجاف» في العلاقات بين نتنياهو والرئيس المنتهية ولايته، باراك أوباما. وكتب يدلين في مقال نشره في صحيفة «يديعوت أحرونوت» من الطبيعي أن يسعوا في إسرائيل إلى فهم تأثير ترامب على الأمن القومي الإسرائيلي. معتبرا أنه لا بديل عن الولايات المتحدة كأهم دولة عظمى داعمة لإسرائيل ويدلل على ذلك بالمعونات المالية والأمنية والدبلوماسية السخية.
ويرى يدلين أن هناك ست نقاط تتعلق بتعميق إسرائيل لحلفها الاستراتيجي مع الولايات المتحدة برئاسة ترامب، ويتعين على نتنياهو أن يبحث فيها لدى زيارته البيت الأبيض. ويعدد يدلين النقاط الست: إعادة بناء الثقة بين الجانبين، وإجراء تغيير في السياسة الخارجية الأمريكية التي أضرت بإسرائيل ودول المنطقة، والبحث في كيف ستبلور الولايات المتحدة وحليفاتها إستراتيجية مختلفة في سوريا مقابل الروس والإيرانيين الذين يؤيدون نظام الأسد الدموي، واعتبار إيران أهم تهديد على إسرائيل، والبحث في تسويات مع العالم العربي دون السعي للتوصل لحل دائم للقضية الفلسطينية وأخيرا تعزيز العلاقات الأمنية من أجل ضمان تفوق إسرائيل العسكري. في المقابل يحذر مراقبون إسرائيليون آخرون من مغبة الرهانات على ترامب ويدعون إسرائيل للتريث على اعتبار أن وعود ترامب الانتخابية قد تكون أخف من وزن الريشة، ويذكّر بعضهم إلى أن 70% من الأمريكيين اليهود كانو قد صوتوا لصالح مرشحة الحزب الديمقراطي، فهم أدرى بالمرشحين ويعرفون أن كلينتون لن تغير سياسة أمريكا المنحازة لإسرائيل ولن تخون قلبها المليء بمحبة إسرائيل.
ويذهب المحلل السياسي يوسي فيرتر لحد القول إن أسباب انتخاب ترامب ينبغي أن تقلق بنيامين نتنياهو. وينوه إلى أن نتنياهو طالما كان يحلم خلال ولاياته الأربع أن يتعاون مع رئيس أمريكي جمهوري لكنه ربما سيكتشف أن البيت الأبيض الآن سيغادر المنطقة نحو الانعزالية تاركا الجميع ينتزعون أشواكهم بأيديهم. ويقول المحلل العسكري لصحيفة «هآرتس» عاموس هارئيل إنه في حال قدم الدعم الكبير لليمين في إسرائيل فإن ذلك من شأنه أن يفجر انتفاضة فلسطينية.
ويتفق معه المحلل العسكري والسياسي في موقع «واينت» الإخباري، رون بن يشاي الذي يرجح أن صيغة دولتين لشعبين ستدخل إلى حالة تجميد شديد لأمد طويل. ويتابع «من المعقول أن نتوقع أن ترامب الذي تلقى دعما سخيا في حملته الانتخابية من الملياردير اليهودي الأمريكي شلدون إدلسون، لن يحاول أن يفرض على الجانبين أي حل، ولا حتى مفاوضات سلام، وفي طبيعة الحال ليس أيضا حلا مبنيا على تنازلات إسرائيلية». ويذكّر بأن «الجمود في المسار السياسي من شأنه أن يؤدي إلى اندلاع العنف في الحلبة الإسرائيلية- الفلسطينية، وإلى انفجار كبير ودموي، ومن المجدي الاستعداد له». وهكذا المحلل إيتمار آيخنر الذي يرجح أن يكون ترامب قريبا جدا من إسرائيل ويلبي كل رغباتها لكونه محاطا بيهود كثر من بينهم جيراد كوشنير صهره زوج ابنته المرشح لإشغال منصب هام في الإدارة الجديدة. وتتطابق هذه التحذيرات مع مصدر دبلوماسي إسرائيلي ينبه من أن المسيرة السياسية مع الفلسطينيين ليست في سلم أولويات ترامب. وتنقل صحيفة «يديعوت أحرونوت» عن وثيقة سرية أعدتها وزارة الخارجية الإسرائيلية تفيد بأن ترامب سينسحب من الشرق الأوسط ويركز في الشؤون الأمريكية الداخلية. ونبهت الوثيقة الداخلية من مغبة الابتهاج الإسرائيلي المعلن بفوز ترامب وتقول إن هذه الاحتفالية من شأنها أن تدفعه نحو محاولة موازنة الصورة بتعيين من هم أقل حماسا لإسرائيل مستشارين له.
ونقلت «القناة الإسرائيلية العاشرة» تقديرات مشابهة جدا لمصدر إسرائيلي حجب هويته يعتبر الابتهاج الإسرائيلي بفوز ترامب ضربا من الغباء السياسي، لأنه قد يدفعه لاتجاه معاكس لاسيما أنه غير متوقع، عكس كلينتون الصديقة العلنية لإسرائيل وتلتزم بسياسة داعمة لها منذ عقود.
ونقل مصدر فلسطيني لـ «القدس العربي» عن الرئيس الفلسطيني محمود عباس قوله على مسمع مستشاريه في اجتماع داخلي إنه لم يذرف دمعة على خسارة كلينتون التي تحب إسرائيل من قلبها. وتابع المصدر «السلطة الفلسطينية كانت تفضل فوز ترامب لأنها لم تتوقع تغييرا حقيقيا من واشنطن في حال استمر الحزب الديمقراطي في الحكم بعد ثماني سنوات من خيبة الأمل مع أوباما، أما ترامب فهو غير معروف وربما يفاجئ للأفضل ويكون أقل انحيازا لإسرائيل وأكثر فعالية تجاه الصراع وتسويته».
ومع ذلك يكشف آيخنر إنه رغم كل ذلك هناك جهات اسرائيلية مسكونة بمخاوف من ترامب، بوصفه «رجل المفاجآت»، فهم يذكرون كيف صرّح ذات يوم، خلال حملته الانتخابية، بأن من يتلقى الدعم من الولايات المتحدة الأميركية عليه أن يدفع، بما في ذلك إسرائيل.
ويتابع «لا يوجد أي شخص في إسرائيل يوهم نفسه بأن وعود ترامب ومستشاريه خلال الحملة الانتخابية، تساوي أكثر من قشرة ثوم. وأحد هذه الوعود هو نقل السفارة الأميركية إلى القدس. وأيضا تصريح ترامب بأنه سيلغي الاتفاق النووي مع إيران، وأنه سيزيد الدعم العسكري لإسرائيل، ويعترف بضم المستوطنات للسيادة الإسرائيلية واستمرار البناء فيها، وغيرها من الوعود». ولذا يرجح أن يلتزم ترامب بتوجهات سابقيه في البيت الأبيض حيال المستوطنات لكنه لا يستبعد ألا يسارع إلى استنكار أي قرار لإسرائيل بالبناء فيها كما كانت الحال في إبان إدارة اوباما، كذلك من الممكن جدا أن ترامب لن ينشغل بعملية السلام بل سيتركز في جانب العلاقات الاقتصادية ضمن العلاقات الخارجية الأميركية.
وتعتبر صحيفة « هآرتس « في افتتاحيتها « أنه من السابق لأوانه إطلاق صرخات الفرحة أو الندب. وتضيف « ستسري على ترامب المقولة التي أطلقها أريئيل شارون عام 2001: «ما نراه من هنا ليس ما كنا نراه من هناك»، والمصلحة الأميركية ستكون ماثلة أمام الرئيس الجديد، وهي ليست قائمة بالضرورة على احتياجات إسرائيل فقط.
وديع عواودة