يفيد تاريخ القدس بأن التطلع إلى أن تكون المدينة العاصمة الخالدة للشعب اليهودي يعبر عن إرادة لتغيير جوهري في مكانتها: من مدينة تبادلتها الايدي مرات عديدة على مدى الاف سني وجودها، إلى مدينة تبقى إلى الابد في اياد يهودية. وفي تصريحه بأن «القدس العاصمة الخالدة للشعب اليهودي»، يرغب بنيامين نتنياهو بأن يفهمه العالم ليس فقط كصلة تاريخية، او دينية ـ روحانية، ولا حتى كوصف لحقيقة جغرافية سياسية فقط، بل كملكية على الارض. يريد نتنياهو أن تكون القدس مسجلة في سجل العالم بأنها في ملكية الشعب اليهودي. من هذه الناحية، فإن قرار اليونسكو الذي يشكك بالصلة التي بين الحائط وبيت المقدس اليهودي، مثله كمثل ملاحظة التحذير في السجل في صالح المسلمين. في مقاييس نتنياهو، فإن هذا فشل لا يقل دراماتيكية عن احتلال جيش أجنبي للقدس.
لقد كانت حرب الايام الستة علامة طريق ليس فقط في تاريخ دولة إسرائيل بل وايضا في التاريخ اليهودي: في العام 1967، بعد 2000 سنة، عاد قلب القدس ـ البلدة القديمة ـ إلى أياد يهودية. وفي نفس الوقت، لما كان الحديث يدور عن مدينة مقدسة للمسيحية والإسلام ايضا وليس فقط لليهودية، مثلما يعود ويؤكد قرار اليونسكو، فإن هذه أيضا علامة طريق في تاريخ المسيحية والإسلام. يبدو هذا تافها ـ ولكن ثقل الوزن التاريخي والديني لاحتلال القدس ليس تافها على الاطلاق: فهذا ليس ان إسرائيل تطالب بملكية خالدة على المدينة، ليس التوقع بأن يتنازل الإسلام عن المدينة فقط لانها احتلت بقوة عسكرية، مهما كانت كلفة الحرب، ولا التوقع أيضا من أن توافق المسيحية على ملكية خالدة لليهود على المدينة. فإسرائيل تتصرف وكأن الحديث يدور عن «صفقة عقارية» تاريخية اخرى. ومع أنها تعترف بأنه لا تكفي السيطرة على الممتلكات وان هناك حاجة لاعتراف دولي بالملكية، ولكن من جهة اخرى تتجاهل أن القدس ليست ملكا ككل الممتلكات. فمن اين تستمد، إذن، وقاحة المطالبة بملكية خالدة؟ يمكن أن نفهم الأمنية في إلا تبدل القدس الايدي، ولكن المطالبة بالملكية عليها هي فظاظة روح تاريخية تستقبل في العالم كغرور.
في خطابه في «يد واسم» (مؤسسة الكارثة والبطولة) في يوم الكارثة الاخير ادعى نتنياهو بأن ما «سوغ الطريق إلى الكارثة» هو «الكذب»، واوضح: «التشهير سبق الابادة». اليوم ايضا يسمع ملايين الناس اكاذيب رهيبة عن اليهود، شرح قائلا. وعندها ركز تحذيره على كذبة محددة: مطالبة اليونسكو بأن تقرر، بأن ليس لجبل البيت أي صلة بالشعب اليهودي. التحريض في عصرنا مصدره الإسلام المتطرف، قال، وعندها تساءل عن «تزاوجات غريبة» تخلقها اللاسامية في عصرنا: «اناس النخبة الذين يزعم انهم يمثلون التقدم الانساني، يرتبطون بالمتزمتين البرابرة الاكثر ظلامية، بقاطعي الرؤوس، قامعي النساء، مطاردي المثليين، مدمري كنوز الثقافة». والترجمة: ايها المسيحيون الاعزاء، هل جننتم؟ هل تريدون حقا أن تودعوا ذخائر المسيحية في ايدي اولئك المسلمين مدمري الذخائر؟
«الكثيرون يفعلون هذا منذ الان في البلاد وفي العالم، من ابناء شعبنا، وانا ادعوكم انتم ايضا، ممثلي الإنسانية المتنورة، ان تتجندوا لصد الاكاذيب»، صرخ نتنياهو. بمعنى: أيها المسيحيون الاعزاء، ممثلي الإنسانية المتنورة، تجندوا إلى جانب اليهود ـ هل جننتم لتعطوا ممثلي داعش الاقتراب من القدس؟
لعله بدلا من اتهام الآخرين بالضربة الدبلوماسية التي تلقاها الشعب اليهودي يجدر بنتنياهو أن يسأل نفسه كيف حصل ان إسرائيل، بالفظاظة التي تسيطر فيها في المدينة المقدسة وفي مطالبتها بملكية خالدة، ساهمت في خلق السياق الذي بات فيه الميل الإسلامي لنفي التاريخ ما قبل الإسلامي يستقبل بعطف لدى اصدقائنا في الغرب. ربما ثمة صلة بين رفضها السياسي، موقفها التمييزي تجاه سكان المدينة العرب واستكمال بناء القدس التحت ارضية من تحت الحائط والحي الإسلامي، وبين ملاحظة التحذير الذي سجل في طابو التاريخ.
كارولينا لندسمان
هآرتس 14/10/2016
صحف عبرية