تحرير الموصل.. بين الآمال والمخاوف!

بغداد ـ «القدس العربي»: وأخيرا وبعد فترة مظلمة زادت عن العامين، انطلقت معركة تحرير الموصل من تنظيم «الدولة» الذي استباح ثلث العراق وأذاق أهله جميعا دون استثناء منذ حزيران/يونيو 2014 كل أنواع الاذلال والنهب والتدمير والقتل للحياة والبشر والتاريخ.
وبقدر ما أشاعت معركة التحرير، الآمال بقرب رفع الكابوس عن صدور أهالي الموصل خصوصا والعراقيين عموما، من خلال التكاتف الرائع بين القوات المسلحة والبيشمركه والشعب والمرجعيات الدينية، لهزيمة التنظيم الظلامي، بقدر ما أثارت المخاوف من مرحلة ما بعد تنظيم «الدولة» نظرا لغياب برنامج عمل وطني لإدارة الموصل والبلد بطريقة تلغي أي أسباب أو مبررات لبروز أي تنظيم متطرف طائفي جديد يفرق الشعب ويفتح المجالات على مصاريعها للقوى الأجنبية لكي تتلاعب بمقدرات وتوجهات الشعب والبلد.
وقبل معركة تحرير الموصل وأثناءها، برزت دعوات لتقسيم الموصل إلى عدة محافظات، ودعوات للحصول على حماية دولية لبعض المكونات والأقليات، ودعوات من البعض الآخر لضم أجزاء من المحافظة ومناطق
أخرى إليها تحت مبررات مختلفة، بينما حاول البعض، وهو الأضعف مع الأسف، جعل تحرير الموصل، بسواعد أبناء العراق بمختلف طوائفهم وأديانهم وتوجهاتهم، فرصة لإعادة الوحدة الوطنية وتحقيق المصالحة بين أبناء الشعب وقواه التي طالما بقيت حبرا على ورق.
وهناك مخاوف من تطورات الأوضاع في الموصل والعراق بعد الانتهاء من مرحلة تنظيم «الدولة» وسط دعوات مشبوهة من بعض القوى السياسية المسلحة لمحاولة فرض نفسها على البلد ومستقبله تنفيذا لأجندات داخلية وخارجية رسمت لها أهدافا ومشروعا قد لا يلتقي مع برنامج المصلحة الوطنية بل وربما يتعارض معه، كما تسود مشاعر وقلق جدي لدى الكثير من العراقيين، من ان تلتفت بعض التنظيمات المسلحة التي ساهمت في محاربة التنظيم، بعد الانتهاء منه، لكي تطالب بحقوق وامتيازات مقابل جهدها وتضحياتها في الحرب،على حساب حقوق الآخرين.

المقاومة في الموصل

ومن الأمور المفرحة في ملحمة تحرير الموصل، هو الدور الذي يلعبه أهالي الموصل هذه الأيام، في فرض المقاومة الشعبية من قبل الشباب الموصلي الذي يريد الانتقام من عناصر التنظيم على الجرائم التي ارتكبوها بحق العراقيين.
حيث ذكر نواب وسياسيون من الموصل لـ«القدس العربي» ان حركة المقاومة تتصاعد وتلحق ضربات موجعة لعناصر التنظيم داخل المدن والقرى التي يسيطر عليها، بالتزامن مع أخبار مؤكدة عن قيام بعض القرى بالثورة على التنظيم وطرد عناصره بقوة السلاح، بتشجيع من وجود حشود القوات الأمنية القريبة منهم.
واعترف القادة العسكريون في الجيش والبيشمركه ان خطة تحرير الموصل، تعول كثيرا على الثورة من الداخل في المدينة والنواحي والقرى التابعة لها، حيث سيسهل ذلك سرعة انجاز المهمة وتقليل الخسائر البشرية وفي البنى التحتية، كما عبر أولئك القادة عن تثمينهم للمعلومات الكثيرة التي يزودهم بها أبناء المناطق المحتلة عن مقرات وعناصر التنظيم وتحركاتهم، مما يساعد في استهدافهم بدقة أكثر من خلال القصف الجوي والمدفعي.

أسباب ظاهرة «داعش»

لقد اتفق الكثير من العراقيين على ان الحكومة وقواها السياسية، تعمدت وبشكل غريب يثير الشك، اغفال عقد مؤتمر وطني موسع للقوى السياسية والاجتماعية ومنظمات المجتمع المدني في البلد، لوضع ميثاق توافق اجتماعي ومصالحة وطنية حقيقية، بعد دراسة أسباب تدهور أحوال البلد، ووضع الحلول لمنع الانهيار، لضمان عدم تكرار ظهور التنظيمات الإرهابية التي سببت للبلد والشعب أنهارا من الدماء وهدر أموال طائلة كانت تكفي لتغيير واقع العراق جذريا وضياع لسيادة البلد عبر تدخل مفضوح للآخرين في شؤونه.
ويعلم الجميع في العراق، ان التنظيم ظهر في نينوى نتيجة تراكمات وأخطاء سياسية كبيرة من قبل الحكومة المركزية والمحلية والقوى السياسية، بعضها متعمد له أجندات سياسية وطائفية عكستها سياسة حكومة نوري المالكي السابقة، وبعضها وراءه أخطاء إدارية ومافيات فساد مالي وأطماع لبعض السياسيين، إضافة إلى اجندات إقليمية ودولية لإعادة ترتيب المنطقة وفق مصالحها.
وتنظيم «الدولة» هو الوريث غير الشرعي لتنظيم «القاعدة» وكلاهما من نتائج الاحتلال الأمريكي ونظريته في الفوضى الخلاقة التي قادت العراق إلى الخراب والدمار ليس في البنى التحتية ولا في الهدر المالي المنظم ولا في رهن اقتصاد البلد بيد سياسيين فاشلين وفاسدين، بل في زرع بذور شيطانية اسموها الطائفية السياسية التي أثمرت لنا مخلوقات مشوهة طفيلية تعتاش على الفتنة الطائفية وتفريق أبناء الشعب الواحد عبر العنف والقتل والتهجير واقصاء الآخر، مخلوقات تأخذ شكل تنظيمات مثل»القاعدة» أو «الدولة» أو المليشيات، ولا ندري ما الجديد الآتي.
لقد حاول الكثير من العقلاء والقوى الشعبية والدينية والسياسية، ان يحددوا أسباب ظاهرة تنظيم «الدولة» في العراق وكيفية وضع حلول لمنع تكرارها، ولكن كل طرف يتناولها انطلاقا من وجهة نظره وبرنامجه، حيث يعتبر الطرف الأقرب من الأحزاب المتنفذة في العملية السياسية، ان ظهور التنظيم كان نتيجة وجود «بيئة حاضنة»، متمثلة في المحافظات السنية، شجعت ظهوره ودعمته بالمال والرجال، وطبعا دون اغفال تكرار نظرية المؤامرة «العربية والدولية» الحاقدة على التجربة الديمقراطية الفذة! التي ينعم فيها الشعب العراقي منذ 2003.
بينما أشار البعض الآخر، وخاصة من أهالي المناطق السنية، إلى ان سوء المعاملة واقصاء الآاخر والاستحواذ على السلطة وامتيازاتها وتضييق مجالات العيش والرزق على البعض من خلال قوانين جائرة هدفها الانتقام ولا تراعي المصالحة الوطنية ووحدة الشعب، كلها ساهمت في خلق جماعات وكتل تشعر بالغبن والاقصاء وعدم الحرية والتضييق في العيش، وبالتالي أخذت تبحث عن أي طريقة لتغيير واقعها ولو باللجوء إلى الشيطان بغض النظر عن شكل ذلك الشيطان.
وبغض النظر عن تبرير كل طرف لأسباب ظهور «الدولة» التي اشرت لها اضافة إلى أسباب أخرى، فالمهم هو ان الضرورة ومصلحة البلد بعدم تكرار هذه الظاهرة تستدعي ان يجلس كل الفرقاء في الوطن الذين يشتركون في العيش على هذه الأرض، ويفتحوا حوارا لكل أسباب إثارة القلق وعدم الرضا والرفض للواقع الذي يعيش فيه البلد منذ 2003 والاتفاق على مشتركات وطنية تضمن تحقيق العدالة في توزيع الثروات والسلطة وتسد كل منافذ التدخل التي تتحرك من خلالها أذرع الاخطبوط الأجنبي بكل أشكاله ومسمياته.
ومع القناعة بقرب شروق شمس الحرية على الموصل والمناطق المحتلة الأخرى من تنظيم «الدولة» الإرهابي، تبقى ثمة أسئلة تبحث عن إجابات من القوى الفاعلة في العراق، مثل ما هي الضمانة بعدم تكرار ظاهرة تنظيم «الدولة» مستقبلا ؟ وكيف نقضي على أسبابها ومبرراتها؟ وكيف نحقق شراكة حقيقية لكل أبناء الشعب في وطن يشعر الجميع فيه بالعدالة في الحقوق والواجبات؟ فهل من مجيب؟

تحرير الموصل.. بين الآمال والمخاوف!

مصطفى العبيدي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية