تحزنني نهاية بيبي نتنياهو

حجم الخط
7

اقتربت النهاية السياسية لبيبي نتنياهو، حتى لو نجح في البقاء سنة أخرى في رئاسة الحكومة ولم يحل الكنيست الحالي، فقد حسمت نهايته السياسية، رغم أن هذا كان يبدو مستبعداً جداً قبل أشهر قليلة، وهذا يشعرني بالأسى والحزن العميق.
لم يستسلم بيبي أمام الشبهات الموجهة ضده، ومن الطبيعي جداً أن لا يستسلم، فهو متمسك بالسلطة ومستميت لأجلها، وهو لا يختلف بهذا عن أي زعيم عربي فاسد تمسك بالسلطة وما زال متمسكا بها، مع الاختلاف الهائل بحجم الفساد، لصالحنا طبعاً. استهتر نتنياهو بالتحقيقات الأولية، وظن أنه قادر بطرقه الخاصة ونفوذه وديماغوجيته وفذلكاته الكلامية التي يعدها له مستشاروه، على ثني قائد الشرطة عن الاستمرار بالبحث وبعمق عن تجاوزاته القانونية، ولكن لسوء حظه، أنه ليس حاكماً عربياً، فهو لا يستطيع إسكات أو سجن قائد الشرطة ولا المحققين، ولا تهديد شاهد ضده، بل إن أي محاولة تشويش للتحقيق سوف تضيف ملفات جديدة ضده.
بيبي لا يستطيع أن يفتعل حرباً أهلية كي يبقى في الحكم، ولن يستطيع أن يطلب قوات أجنبية لحمايته، لأنها لن تكون ثورة ضده أصلا، لا مليونيات ولا مئات الآلاف ولا اعتصامات في الميادين سوى ببضعة آلاف، ولن ينزل الجيش لحمايته في شوارع تل أبيب والقدس، ولن يدّعي حماية الأقليات من الذبح والاغتصاب، ولن تحمي الطريق إلى قصره كتيبة من الحرس الجمهوري، وذلك أن الوسائل القانونية والإعلامية ما زالت قادرة على إنهاء حكمه، من دون إراقة دماء، وبدعوته إلى التحقيق، هو وزوجته وأصدقاؤه، لساعات يقضيها أمام محققين يحذرونه بأن كل كلمة يقولها قد تستخدم ضده، وأن من حقه الصمت حتى محاكمته، فالقضاء هو الفيصل في نهاية الأمر، فما زال مؤسسة مستقلة، رغم ما كل ما يقال ونقوله عن نظام العنصرية والأبرتهايد ضد العرب، فهو نظام إجرامي وقاتل ومتوحش ضد العرب، ولكنه بالنسبة للمواطنين اليهود ما زال في حالة جيدة جداً، ولا يقارن مع الأنظمة التي تقتل العرب باسم العرب، وتبيد المواطنين باسم مصلحة الوطن، وتسرق العباد والبلاد، من دون حسيب أو رقيب. لست سعيدا بهذا، بل أنا حزين جداً، فهذا يحيل إلى وضع أمّتي، إلى بؤسنا، لا أحب جلد الذات، ولكنها الحقيقة المؤلمة، إنهم أفضل منا بكثير بإدارة شؤونهم وبمعرفة مصلحتهم.
كلما حاول بيبي الاعتراض والظهور بمظهر النظيف واستهتر بجهازي الشرطة والقضاء، استمر البحث أعمق، ونزلت الضربات على رأسه بقوة، هكذا بدأت تتكشف ملفات فساد جديدة، وإذا لم يتوقف بيبي إلى هذا الحد ويستسلم للقانون وينهي حكمه وقيادته لحزب الليكود، فسوف تستمر ملاحقته بدلائل دامغة أخرى كثيرة قد تدخله السجن، ويذل مثل أولمرت، خصوصاً في ملف الغواصات الذي يجري التحقيق فيه بصمت وببطء، ربما لتمرير الصفقة مع ألمانيا، وبعدها سيُفضح ويقزّم حتى النهاية.
يوجد فساد كبير في إسرائيل، وعلى فكرة الفساد الإداري موجود بين العرب في إسرائيل أكثر من الوسط اليهودي بكثير، خصوصاً في إدارة البلديات، ولكن السلطات تغض الطرف عن فساد العرب إلى حد كبير لأسباب سياسية، فهي معنية بفسادنا، وهذا موضوع آخر قد نطرقه في مقال آخر. القضاء القادر على محاسبة الفاسدين، هو أحد أهم أسرار قوة إسرائيل، وليس فقط التكنولوجيا المتقدمة والطائرات الحديثة، ولا الجيش الكبير، والخدمة الإلزامية للشبان والفتيات اليهود، بل قدرة النظام نفسه على البحث عن مواضع الخلل وإصلاحها.
أنصح المعنيين بخراب إسرائيل ويدعون عليها بالدمار في صلواتهم، أن لا يدعوا عليها بالزلازل ولا بالفيضانات ولا لهزيمتها أمام الجيوش، بل ادعوا عليها بخراب الجهاز القضائي وحينئذ ستضعف وتتآكل. الفرق شاسع بين نظام فيه جهاز تنظيف داخلي فيصون نفسه من العفن والصدأ يومياً، ونظام لا يعترف بأخطائه، بل يراكمها ويخفيها ويقمع الأصوات المخلصة التي تدعو للنظافة ويلقي بها في السجون ويدبر لها تهماً وقد يغتالها، لو تخيّلنا قائد شرطة عربي يبحث في فساد وزير أو رئيس عربي، فما هي التهمة التي ستوجه إليه! أترك لكم متعة التفكير.
أحد أصدقائي القدامى أرسل لي قبل أيام خبراً عن أن الجهاز القضائي في سوريا، أعلن عن تحقيقات مع مسوؤلين حاصلين على شهادات عليا مزورة ويعملون فيها، ويظهر بعضهم على الفضائيات بصفة محلل وخبير الخ. فرح هذا الصديق، واعتبره تطوراً مهماً جداً، وخطوة جيدة لمحاربة الفساد، وتعني أن النظام بدأ بإصلاح نفسه ويسير في الطريق الصحيح. كم هو محزن هذا الكشف البائس في بحر من الفساد، أعقبه بحر من الدماء ما زال مستمراً، كم هو بائس هذا العلاج الذي يشبه إحضار قطرة أنف لجثة تحللت منذ سنين. الفساد موجود في كل الأنظمة في كل العالم، بما فيها الدول الديمقراطية في أوروبا وبنسب متفاوتة، ولكن في هذه الدول توجد قوة دستورية وأجهزة قضائية مستقلة، لا توجد أبقار مقدسة، الرئيس اغتصب موظفة في مكتبه يسجن، تلقى رشوة يسجن، رئيس كتلة الحزب الحاكم تعامل مع عصابة من العالم السفلي يقيل نفسه أو يقال. كشف القذارة والفساد هو قوة وليس ضعفا، ولا يعني أن الأنظمة التي تخفي الفساد أفضل، فكم من نظام لا يكشف فساده إلا بعد خراب بصرى، وهذا ما حصل وما زال مستمراً في وطننا العربي.
مثير للحزن عندما يتحدث بعض الإعلام العربي عن كشف فساد نتنياهو بلهجة انتصار وشماتة، لأنه من حقنا أن نبكي على حالنا وعلى الحالة التعيسة التي أوصلنا إليها حكامنا المعصومون.
كاتب فلسطيني

تحزنني نهاية بيبي نتنياهو

سهيل كيوان

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية