عمان – «القدس العربي»: «الوصول الى ميزانية بلا عجز».. تختصر هذه العبارة القصيرة الهدف الذي يتحدث عنه وزير الاتصال الناطق الرسمي باسم الحكومة الأردنية الدكتور محمد المومني في اليوم التالي لمناقشة مجلس الوزراء بصورة مستفيضة خطة الموازنة المالية التي ستقدم لبرلمان غير متحفز عشية العام الجديد.
طموح المومني يندرج في إطار الأمل بعد عزف أركان الدولة جميعهم على وتر واحد بجرعات متتالية تم حقنها في جسد الرأي العام بعنوان «الاعتماد على الذات». لكن هذا الطموح قد يبدو بعيد المنال، لأن الاعتماد على الذات فكرة نبيلة ازدادت نبلًا خصوصًا بعدما تحدث عنها القصر الملكي مباشرة، عدة مرات وإن كانت بالنسبة لنخب الرأي العام في المؤسسات المدنية تعبير عن الهاجس الاجتماعي العريض من ترجمة الاعتماد على الذات، على أساس التركيز على المصدر الوحيد تقريبًا لخزينة الدولة اليوم، الذي يدفع الحصة الأكبر مقابل خدمات تتراجع، هو المواطن.
يخشى كثيرون في الأردن من أن يستعصي على الحكومة وأجهزتها ومؤسساتها التقاط ما هو جوهري في الرسالة الملكية المختصة في الاعتماد على الذات، عبر تكريس نهج التعامل مع جيب المواطن الأردني فقط، سواء بالتصعيد الضريبي أو برفع الدعم عن السلع والخدمات، أو بفرض ضريبة مبيعات على قائمة متسعة من المنتجات والخدمات.
يُحاجج المختصون بشأن ذلك الاستعصاء، حيث أن أزمة الأدوات لازالت متواصلة والقيادات التي يتم اختيارها في أغلبية المواقع الأولى لا تزال برسم شكوك الكفاءة والمهنية، وحيث آليات تثير الغموض في اختيار الأشخاص والرموز بعيدا عن المنطق الديمقراطي المألوف، والأهم أيضا بعيدا عن تلك التقاليد التي اعتاد عليها الأردنيون في اختيار طبقة رجال الدولة والحكم.
أبرز من يتحدث عن تلك الأزمة بعنوان استعصاء الأدوات علنًا هو وزير البلاط الأسبق الدكتور مروان المعشر، بجملته الجريئة المعتادة حيث تحدث علنًا في ندوة حضرها العشرات من رجال الدولة والإدارة عن غياب المطبخ الخبير وعن فارق الهامش بين طبقة رجال الدولة التي تغيب تماماً بمن فيها المثقفون والمفكرون وطبقة التنفيذيين البيروقراطيين الذين يسيطرون على مفاصل الإدارة كلها اليوم بعيدا عن اعتبارات الفكر السياسي.
يميل مفكر سياسي كبير من وزن عدنان أبو عودة إلى التأشير على نتائج وتداعيات غياب النخب الخبيرة والمثقفة، حيث ينتج عن ذلك برأي كثيرين غموض وتهميش وتساؤلات ومشروعات وخطط نبيلة وملهمة، لكنها تتهاوى في المستوى التنفيذي. وكل من في طبقة الإدارة والحكم اليوم في الأردن يقر بمرضين أساسيين في مستوى الإدارة العليا، الأول يحمل اسم الاستعصاء وأزمة الأدوات. والثاني يحمل اسم عدم اكتمال المشروعات الأساسية ورصد وملاحظة الهامش الكبير بين ما يتقرر ويقال علنًا وما يحصل على الأرض.
المثال الأكبر يمكن استنتاجه من إشارة مثيرة للكاتب الاقتصادي الأول في الأردن وفي صحيفة السلطة الأولى الدكتور فهد الفانك، وهو يعلق على جزئية الجدل الذي أثارها الحديث عن عاصمة جديدة مقارنًا الفكرة التي أثارت ضجيجاً بمشروعات أخرى لم تكتمل مثل سكن كريم أو غيره.
بكل الأحوال ما تثيره المجالس النخبوية من نقاشات وجمل اعتراضية قد لا يبدو مساندا لآمال الوزير الدكتور المومني في الوصول إلى ميزانية بلا عجز ليس لأن المواطن الأردني المرهق لا يمكنه التعايش مع كل نتائج منطق الاعتماد على الذات كما يحصل. ولكن أيضا والأهم لأن قطاع الاستثمار والأعمال يهرب بانتظام من الداخل ويواصل الحديث عن بيئة طاردة للاستثمار برغم مرور نحو ستة أشهر على تعيين وزير خاص بالاستثمار هو الوزير مهند شحادة، الذي لا يظهر ولا يتحدث مع الأردنيين ولا يعرف بصورة محددة حتى زملاؤه في مجلس الوزراء، ما الذي يفعله أو يخطط له باستثناء الإصرار على التحدث باللغة الإنكليزية حتى في الاجتماعات العربية.
بطبيعة الحال أملت الظروف والاعتبارات الإقليمية السياسية والأمنية في المنطقة على الأردنيين إعلان وفاة عهد المساعدات، وبالتالي انطلقت جرعة التحشيد الوطني لشعار الاعتماد على الذات، وهو شعار إيجابي بطبيعة الحال لكن من المهم أن يفهم الجميع كيف سيتطور وينمو خصوصًا في إطار سياسات وزارية وحكومية يقول نقيب التجار الأردنيين خليل الحاج توفيق إنها لا تدفع للتفاؤل وتبدو متخبطة في بعض المراحل.
حتى رئيس الديوان الملكي الدكتور فايز الطراونة وهو البيروقراطي الوحيد الخبير تقريبًا في الإطار السياسي الموجود في طبقة الإدارة العليا شارك في التحشيد الوطني المطلوب بعنوان الاعتماد على الذات واستعرض الظرف الاقتصادي الواقعي السيئ في لقائه التشاوري الأخير مع مجموعة أشخاص من قادة المجتمع المحلي تم تجميعهم مجددا لإبلاغهم أن سياسة الاعتماد على الذات هي المطلوبة.
طبعا الطراونة لم يقل لمن التقى معهم كيف سيتم الاعتماد على الذات. وفي الواقع لا يتحدث أيضا رئيس الوزراء الدكتور هاني الملقي عن هذه الكيفية، بسب انشغاله الكبير في تفاصيل التفاصيل البيروقراطية وتقديمه خطة يتيمة باسم التحفيز الاقتصادي، وهو تحفيز يرى المراقبون جميعهم مرة أخرى أنه يحتاج إلى خطوات أوسع وأكثر مصداقية وعمقا في مجال الاصلاح السياسي ولإدارة أكثر عصرية ولنخبة مؤمنة بالديمقراطية والتحول القانوني ولدولة مدنية حقيقية لا ورقية وأيضاً لذهنية أمنية مختلفة تدعم الاستقرار ولا تحبطه.
بالتالي لا يشعر الرأي العام الأردني بوجود مشكلة في التضامن مع الحكومة ولو على حساب جيوب المواطنين لتكريس مبدأ الاعتماد على الذات تحت ستارة عزة النفس والوطنية والولاء والانتماء وفي سياق الإيمان بالتوجيه الملِكي والامتثال له.
لكن الشعور مستقر عند الأوساط الناشطة كلها بعيدا عن الصف الرسمي بأن الجزء المتعلق بواجب الحكومة وأدوات الإدارة في إنتاج بيئة صديقة للاعتماد على الذات لا يزال قيد الشك، ولا ينبغي أن تواصل الحكومة العزف فقط على أوتار المواطن الذي يموّل خزينته لأن العجز المالي أصلًا نتج عن أخطاء في المنهجية والقرار يقر الجميع بها ولا ينفونها. ولأن المجال الحيوي الوحيد للوصول إلى محطة «ميزانية بلا عجز» هو الاستثمار في الأوراق السياسية الإقليمية وفي لعبة الدور الدولية. تلك طبعاً قصة أخرى تماما تحتاج لمفاوضين على درجة عالية من المهارة والخبرة والعمق، ويحملون صفة المثقف السياسي، ومن المرجح أنهم يمثلون طبقة رجال الدولة الغائبة.
بسام البدارين: