من يتابع عن قرب ما يحدث حول الحرم شعر بالامس شعورا بسيطا بالراحة مع نشر بيان وزير الخارجية الامريكي جون كيري. مثلما في العام الماضي، موجة الارهاب والعنف على طول الصيف والخريف دفعت الإسرائيليين إلى الحديث مع الاردنيين من خلال الامريكيين، حول الترتيبات في الحرم. مثلما في العام الماضي يمكن الافتراض انه بالاضافة إلى التفاهمات المعلنة توجد ايضا تفاهمات غير معلنة. وقياسا بالعام الماضي يبدو أن نتنياهو قد ذهب خطوة بعيدة حيث وافق على الاعلان بان إسرائيل تقبل «بالحقيقة الاساسية ان المسلمين يصلون في الحرم وغير المسلمين يزورنه» اي ان اليهود غير مسموح لهم الصلاة في الحرم. ولكن توجد اشارات مقلقة ان هذا التصريح غير كافٍ لتهدئة النفوس.
في العام الماضي وفي اعقاب موجة العنف التي أغرقت القدس ـ في حينه كانت هذه مظاهرات عنيفة وجماعية في الاحياء الفلسطينية وعمليات الدهس ـ وافق نتنياهو على مجموعة خطوات في محاولة لازالة التوتر حول الحرم. تم الاتفاق على ذلك في لقاء بينه وبين ملك الاردن عبدالله في عمان. ومثل اليوم، في حينه لم تكتب التفاهمات؛ يفضل الطرفان الامتناع عن ذلك، الإسرائيليون يريدون معمعة الالتزام ومنع الضغوطات السياسية من اليمين والاردنيون من أجل عدم الاعتراف بان لإسرائيل مكانة في الاقصى.
لكن الاتفاقيات غير المكتوبة غيرت الترتيبات في الحرم، ليس لصالح اليهود. مثلا بعد اللقاء مع الملك قبل عام تراجع عدد اليهود المتدينين المسموح لهم بدخول الحرم مع بعضهم البعض من 15 إلى 5 فقط؛ كل مجموعة تحتاج إلى الانتظار حتى تغادر المجموعة التي سبقتها وبعد ذلك الدخول إلى الحرم؛ النشطاء اليهود الذين يؤججون الاوضاع ـ على رأسهم يهودا غليك ـ لم يسمح لهم العودة إلى الحرم. توصل نتنياهو في حينه إلى اتفاق مع السياسيين المهتمين بالامر بأن يكفوا عن الذهاب أو الحديث عن الحرم. هذا ما حصل مع ميري ريغف كرئيسة لجنة الداخلية للكنيست التي تحدثت حتى ذلك الحين عن حقوق اليهود في الحرم (خصصت 15 جلسة لهذا الموضوع). اضافة إلى ذلك الغيت كليا القيود التي فرضت على المصلين المسلمين عند دخولهم الحرم. يتفق الذي يهتمون بموضوع الحرم ان هذه التفاهمات ساعدت في تهدئة النفوس بخصوص الحرم على الاقل. واستمر العنف في الاحياء الفلسطينية. وتوجد اشارة لذلك هذه المرة ايضا حيث توجد تفاهمات اكثر مما أعلن عنه ويمكن رؤية الحقائق بانه يوم الجمعة الاخير لم تفرض الشرطة قيودا على دخول المسلمين إلى الحرم. هذا بالعكس من الاسابيع الاخيرة حيث سمح دخول مصلين فوق سن معين. ولمعرفة ان كانت هناك تفاهمات سرية اضافية يجب أن ننتظر لرؤية ان كانت هناك تغيرات في الترتيبات في الايام والاسابيع القادمة.
عوفر زلسبرغ الباحث في «مجموعة الازمة الدولية» كتب في حزيران الاخير تقريرا حول ما يحدث في الحرم. تنبأ التقرير بشكل دقيق جدا موجة العنف التي اندلعت في فترة الاعياد على خلفية ما يحدث في الحرم. «شخصيات رفيعة في إسرائيل تعتقد أن الهدوء النسبي هذا العام هو أمر ممكن»، جاء في التقرير «لكن بدون صلة بالسؤال ان كانت هذه التقديرات ستصمد خلال الاعياد القريبة فان الهدوء لن يصمد مع الايام».
حسب تحليل زلسبرغ اليوم، الدواء الذي ساعد في العام الماضي ـ كبح إسرائيل لنشطاء ميدانيين وسياسيين وكبح اردني للنشطاء الفلسطينيين العنيفين ـ لن يكفي هذه المرة: «الازمة اليوم أعمق لان جزءا اساسيا منها هو الوعي لدى الشعبين حول ما يحدث في الحرم. في العام الماضي كان الشعور لدى الإسرائيليين والفلسطينيين بان العنف الذي ازداد في الحرم هو نتاج للتداخل بين فترة الاعياد وبين الحرب كثيرة الضحايا في غزة وشهر رمضان. من الاسهل الاعتقاد بان العنف نبع هذا العام مباشرة من التطورات والاحداث في الحرم. في الطرف الفلسطيني، التداخل بين تجديد القيود على دخول المسلمين حسب عمر وجنس معين وبين الحملة من قبل أطراف اسلامية مختلفة قد خلق شعورا بان الاقصى في خطر اكثر من أي وقت سابق الامر الذي شجع شبان فلسطينيين من القدس الشرقية على أن يكونوا شهداء ـ التضحية بالنفس من أجل ردع إسرائيل من تقسيم المكان بين المسلمين واليهود. من ناحية اخرى فان الاعتقاد لدى المعسكر القومي في إسرائيل وان تقليص ذهاب اليهود للحرم هو تقليص للسيادة الإسرائيلية. هذا يصعب على نتنياهو العمل حسب توصيات الاجهزة الامنية».
بيان كيري بان إسرائيل تقبل بحقيقة أن اليهود لا يصلون في الحرم يناقض الموقف الرسمي للدولة في المحاكمة. حسب هذا الموقف يوجد لليهود حق في الصلاة لكن هذا خاضع لصلاحيات الشرطة بسبب اعتبارات أمنية. من البيان الذي اصدره سياسيين من اليمين أمس يمكن أن نفهم إلى اي حد هامش المناورة لنتنياهو ضيق في هذه المسألة: عضو الكنيست يانون مجين من البيت اليهودي قال «في نهاية المطاف لا شيء يستطيع منع اليهود من الصلاة في الحرم» واضاف غليك ان «الصلاة هي امر داخلي روحاني لا يستطيع الجيش أو الشرطة منعه» والهيئة المشتركة لمنظمات الهيكل رحبت بوضع كاميرات في المكان ليشاهد العالم عنف المسلمين وقلة حيلة الشرطة. يمكن ان نعرف من بيان كيري ان موافقة نتنياهو على وضع الكاميرات على مدار الساعة وطوال ايام الاسبوع تهدف إلى التأكيد انه لا يوجد تغيير في الوضع القائم وان اليهود لا يصلون في الحرم وانه لا توجد نية لالحاق الضرر بالمساجد. وفكرة وضع الكاميرات من اجل تهدئة النفوس حول الحرم ليست جديدة: عام 2007 حفرت إسرائيل تحت الحرم في منطقة المغاربة وحينها ايضا سمعت ادعاءات حول الحاق الضرر بالمكان. من اجل نفيها وضعت إسرائيل كاميرات نقلت الصور إلى موقع الانترنت المفتوح وحضر إلى المكان خبراء آثار اتراك وأكدوا أن هذا لا يؤثر على المساجد. وقد رفضت إسرائيل اجراء جولات او وضع مراقبين دوليين في الحرم.
المحامي داني زيد من المختص بشؤون القدس توقع هو ايضا موجة العنف الحالية. حسب قوله ان الكاميرات هي خطوة في الاتجاه الصحيح لكنها خطوة صغيرة جدا. «انا استطيع تصور ان يشاهد نتنياهو الزوار اليهود في الحرم وهو يقول ان الوضع القائم في الحرم لم يتغير وان الزيارة تتم في الساعات المسموحة وفي نفس الوقت ينظر عبدالله وابو مازن ويشاهدون اليهود وهم يتحرشون ويدنسون الاقصى ويخلون بالوضع القائم. من الصعب الاقتناع بان الكاميرات سوف تجسر الهوة. في الحرم بالذات لا احد يتبلبل من الحقائق».
هآرت25/10/2015
نير حسون