عمان- «القدس العربي»: يمكن ببساطة تلمس حجم الارتباك الذي تثيره عاصفة ملف فساد التبغ داخل عمق الدولة الأردنية من خلال مؤشرات حيوية ومفصلية عدة أبرزها صمت حكومة الرئيس الدكتور عمر الرزاز عن الكلام المباح وغير المباح فيما ينسج الشارع القصص التي يريدها وتنفلت المعلومات وتنهش التسريبات يومياً الجميع وتتقلص المساحة بين «أزمة مصداقية» إلى اتهام باطني لكل الصف الرسمي.
خلافاً للمرة اليتيمة لم تظهر الناطق الرسمي باسم الحكومة الوزيرة جمانة غنيمات في توضيحات وشروحات اضافية بعدما «لقحت» عملياً وسياسياً المناخ الداخلي بالتفصيلات الأولى الشفافة عن ملابسات الخيط الاول في ملف التبغ برعاية رجل الأعمال الغامض عوني مطيع. ذلك يحصل لسبب وفقاً للغرفة الداخلية في القرار الحكومي وعلى أساس ان المسألة الآن بين يدي نظام العدالة والقانون وحتى لا تحصل اي إعاقة للتحقيقات. لكن المسألة لم تعد تحقيقات وفقط بعدما اصر نشطاء في المجتمع بالحفر عميقاً في الحيثيات والتفصيلات والأهم الدلالات.
بدت مفارقة نادرة جداً هي الأولى من نوعها ان تسعى دائرة الجمارك تحديدا للإستدراك سياسيا دون غيرها من المؤسسات تجنبا لإدانة حكومة بأكلمها هي حكومة الرئيس الدكتور هاني الملقي بخصوص ما تردد أنه 155 مليون دينار جراء مخالفات تم التسامح فيها بعهدة سلسلة مؤسسات غير شرعية يعمل بظلها مطيع. أي توضيحات بالخصوص ليست وظيفة دائرة الجمارك بل وظيفة وزير المالية عز الدين كناكريه الذي غاب تماما عن الحدث رغم انه كان أميناً عاماً للوزارة في عهد الملقي وبصورة تثبت بأن بعض وزراء الرئيس الرزاز لا يوافقونه الرأي في مشهد «الشفافية والانفتاح».
في كل حال استدركت «الجمارك» وأعلنت للجمهور بان المبلغ المشار إليه لا علاقة له بمؤسسة او شركة واحدة مخالفة بل بعدة مؤسسات فرضت عليها غرامات جمركية وفي العام نفسه مع التأكيد أن أي قرار بالاعفاء لم يصدر عن الحكومة السابقة وأن الملف برمته لا يزال تحت التحقيق في إدعاء الجمارك ولم يحسم بعد. بوضوح شديد تحاول الجمارك هنا «تبرئة» ساحة حكومة الملقي من تهمة التساهل مع المال العام والخضوع لابتزاز شبكة التبغ المزور وليس فقط «قول الحقيقة» التي لم يعد الشارع أصلاً متهيئاً للاستماع لها بكل الأحوال بعدما أفتت الرواية الرسمية والأمنية ولم تعد مقنعة. ولا يمكن الان معرفة ما اذا كان توضيح الجمارك مبرمجاً مع رئيس الوزراء الرزاز الذي اوقف بدوره حتى مداخلاته المباشرة عبر تويتر مع الناس رغم الضجيج المثار حوله. وثمة من يتصور بان هذا التوضيح المثير للجدل الذي يحاول الدفاع أمام الرأي العام عن حكومة الملقي له علاقة بمن يترأس سياسياً وبيروقراطياً هذه الدائرة المهمة الان وهو الوزير كناكريه .
في كل حال لا تضع روايات الصف الرسمي حدا لإنتهاكات المعلومات والشارع. إذ تصل قصة التبغ المزور إلى أكثر المنحنيات إثارة وتشويقاً عندما تنشر صحيفة إلكترونية مثل «عمون» على لسان «مصدر رسمي» تصريحًا ينفي فيه ما تردده الوسائط عن إقامة جبرية فرضت على رئيس سابق للوزراء وسبعة من افراد طاقمه. ولا تبدو المعلومة هنا دقيقة او صحيحة بكل حال. لكنها تعكس مستوى تداول الجمهور الرغائبي برؤية شخصيات بارزة قيد التحقيق خصوصا وان غالية نشطاء الفسبوك وطوال الوقت يعبرون عن القلق من ان تطال تحقيقات التبغ «صغار العمال والموظفين» وتترك «الكبار» مع ترويج تبرير لهذا القلق على شكل تذكير بأن لوائح التوقيف الاولى ضمت طفلاً ومتوفى.
وصول حمى التسريبات إلى مستوى اتهام رئيس وزراء سابق وسبعة وزراء مع نخبة من كبار البرلمان في المخيلة الشعبية على الاقل يعكس محطة في غاية الحساسية وصلت إليها مصداقية الاجهزة الرسمية وقد يعكس في حال التعمق فيه بروز صنف من التجاذب القوي والعاصف بين مراكز قوى مع انقسام داخل الدولة… هذا مستجد أخطر على مسار تحقيقات التبغ التي تتوسع يوماً بعد آخر. ليست صدفة في المقابل ان تدخل «جهات أمريكية» على الخط فأصل الحكاية بدأ مع شكوى تقدمت بها شركات تبغ أمريكية بخصوص تزوير منتجها في الأردن ودائرة الجمارك الأردنية اعلنت مساء السبت مداهمة خمسة مخابئ سرية جديدة لمادة الدخان والمراقبون في الميدان يشيرون الى أن سيجارة «مارلبورو» الأمريكية المزورة كانت الأكثر ضبطاً خلال المداهمات في الحالة الاخيرة حيث تضبط بمعية خطوط تغليف وطباعة للعبوات الكبيرة. وطبيعي بهذه الحالة ان تتدخل جهات أمريكية في مسار القضية لأن ما تتحدث عنه السفارة الامريكية في عمان خلف الستارة يتحدث عن استقرار شبكات واسعة لتزوير السجائر والتبغ بكميات هائلة ثم المتاجرة به ونقله إلى السعودية ولبنان عبر التصنيع السري في «العالم السفلي الأردني». ويبدو هنا أن لدى الامريكيين وفي مقر سفارتهم بيانات مختلفة عن تلك التي تتحدث عنها الاوساط الأردنية ووفقاً لمعلومات خاصة جداً حصلت عليها «القدس العربي» ثمة لجنة متابعة مرتبطة بإف بي آي تتولى التنسيق مع السلطات الأردنية في متابعة تحقيقات التبغ في مؤشر لم يحسب حسابه كثيرون على «تدويل القضية» وحضور جهات خارجية نافذة في عمقها وبصورة توحي بأن المسألة أبعد من «تهريب سجائر» أو تصنيع سجائر ثم تهريبها وبيعها فقط. فصل مثير وجديد يحتاج لتوضيح الآن.
بسام البدارين