تحليل مضمون الاستراتيجية الفرنسية في الخليج

حجم الخط
2

لا يمكن النظر الى الاستراتيجية الفرنسية في الخليج من منظار ماضي فرنسا الاستعماري في الخليج الذي يمكن وصفه بأنه ضعيف نسبياً على اعتبار ان تواجدها كان يقتصر نحو شرق المتوسط وافريقيا، وبالتالي باتت فرنسا تدرك صعوب التغلغل في المنطقة نتيجة اسباب كثيرة منها ضعف الامكانيات والقدرات الفرنسية نحو هذه المنطقة فضلاً عن البعد الثقافي وحيوية هذه المنطقة التي تعاني من كثرة تواجد القوى الاقليمية والدولية، ولفرنسا اسبابها التي تدفعها نحو المنطقة اولها وجود النفط والغاز فضلاً عن الانتعاش الاقتصادي التي تتمتع به هذه المنطقة، فكان حضور فرنسا الاقوى في المنطقة عندما اقامت قاعدة عسكرية في ابوظبي فكانت رسالة للقوى الإقليمية والعالمية بأن فرنسا لها نفوذ وقوى عسكرية تزاحم القوى الاخرى في المنطقة.
فالتطور في الاستراتيجية الفرنسية حيال الخليج العربي جاء نتيجة انقلاب الرؤى في الفكر الاستراتيجي الفرنسي للمنطقة والذي سوف يسمح لفرنسا بالحصول على جزء من المكاسب في الخليج والشرق الأوسط بعد احتلال للعراق، أو قد تعطي دافعية لسياسة جديدة تلزم نفسها بالقطيعة مع دبلوماسية الماضي ، فهو بالتأكيد يعد بالمحصلة النهائية انقـــــلابا نهائيا على ســـياسة فرنسا الشرق أوسطية المستقرة منــــذ عهد شــــارل ديغول وتعبيرا عن رؤية مختلفة جذريا لما كان يتــــطلع إليه، هذا يؤكد لنا أن التحول الإستراتيجي النوعي في سياسات فرنسا الدفاعية والأمنية الأمريكــــية بدءاً بإقامة أول قاعدة عسكرية دائمة لها في منطقة الخليج، والوجود العسكري المستجد في قلب منطقة تعمل أمريكا باستمرار على احتكارها واستبعاد أي منافسين محتملين عنها، لم يأت هباء أو دون تخطيط ذكي على أعلى المستويات.
إن التحول الاستراتيجي في سياسات فرنسا في منطقة الخليج يأتي كجزء من مراجعة شاملة تطلبها الفكر الاستراتيجي الفرنسي المتجدد لمجمل السياسات العسكرية والأمنية الفرنسية في الخارج، وذلك لوضع عقيدة جديدة للأمن والدفاع، أكثر من ذلك يتطلع الفرنسيون إلى إقامة مجلس فرنسي للأمن والدفاع القوميين يكون على غرار مجلس الأمن الأمريكي المكلف بالتنسيق بين سياسات الولايات المتحدة الأمنية في الخارج والداخل، ويمكن اجمال اهم الاهداف الاستراتيجية الفرنسية في الخليج وهي:
1 ـ التمظهر بمظهر القوى العظمى: كانت فرنسا و مازالت تسعى نحو التسيد والعالمية فمنذ نهاية الحرب العالمية كانت السياسة الخارجية الفرنسية غير منصاعة للهيمنة الامريكية، ونتيجة لتراجع الولايات المتحدة وصعود قوى اخرى كمجموعة (بريكس) ادركت الادارة الفرنسية ضرورة توسع رقعة وجوده من افريقية الى الشرق الاوسط والخليج العربي من اجل الضلوع بتأثير كبير وفعال في المنطقة والذي سوف ينعكس بدوره على المكانة الدولية لفرنسا في النظام الدولي.
2 ـ الحاجة الى الطاقة: تعد المملكة العربية السعودية هي ثالث أكبر مصدري النفط إلى فرنسا، فيما تحتل سلطنة عمان المرتبة الثانية على قائمة موردي الغاز إليها، مما يدعو فرنسا إلى الاهتمام الشديد بديمومة قنوات الإمدادات الحيوية الآتية من منطقة الخليج ، وفي مقابل ذلك فإن إجمالي الصادرات الفرنسية إلى منطقة الخليج العربي يصل إلى أربعة مليارات دولار سنويًا، ومن المؤكد أن مجالات جديدة ما زالت تفتح أمام الجانبين لزيادة حجم التبادلات التجارية بينهما.
3 ـ الشراكة الأمنية: تعمد فرنسا إلى بيع الأسلحة والمعدات المتطورة للأنظمة الخليجية وتطوير القدرات الدفاعية لدول مجلس التعاون وقد عززت فرنسا تعاونها العسكري مع دول مجلس التعاون إلى حد بعيد، فتحولت بذلك إلى أكبر الموردين الغربيين للخبرات العسكرية والأسلحة، وفي واقع الحال فإن الإمارات العربية المتحدة وقطر والمملكة العربية السعودية تندرج في قائمة الشركاء الخمسة الكبار لفرنسا في الميدان الدفاعي، فضلا عن استعداد فرنسا للمشاركة في نظام جماعي حماية لأمن الخليج عبر تبادل المعلومات واستضافة ضباط من دول المجلس في مؤسسات عسكرية فرنسية.
3 ـ الضلوع بدور فعال في توازن القوى في المنطقة: على مستوى السياسات الدفاعية والأمنية الفرنسية في الخليج، تدعو فرنسا إلى تعزيز الحوار الأمني والدفاعي غير الرسمي بين ثماني دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي هي فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة واليونان وإيطاليا وهولندا والبرتغال وأسبانيا ودول المجلس، وقد أثارت هذه المبادرة اهتمامًا كبيرًا من جانب هذه الأخيرة، لا بسبب مرونتها وطابعها غير الرسمي فحسب، بل لأن المواقف السياسية التي يتخذها الاتحاد الأوروبي حيال مختلف القضايا في الخليج والشرق الاوسط في مقدمتها الازمة النووية الايرانية والاوضاع في اليمن.
4 ـ المصالح الاقتصادية: الحقيقة أن الاستراتيجية الفرنسية الجديدة قد أعطى دافعية كبيرة للحضور الفرنسي المتصاعد في المنطقة الخليجية على نحو لم تشهده في السابق، وهذا الحضور يضم في ثناياه مختلف مظاهر التعاون حيث يجمع بين الأمن والسياسة والاقتصاد والثقافة في بوتقة واحدة، وقد تعزز بالجولة المكوكية التي قام بها ساركوزي على ثلاث دول خليجية في يناير 2008، فقد نجحت فرنسا في إبرام عدد كبير من الصفقات المدنية والســياسية والأمنية لتحصل على موطئ قدم في إطار تحول نوعي استراتيجي في منطقة الخليج.
5 ـ الثقافة الفرنسية (قوة ناعمة) : على صعيد آخر، يتمثل الحضور الثقافي الفرنسي بإنشاء الكليات والمدارس الفرنسية في عموم بلدان المنطقة، وإبرام اتفاقيات مشتركة بين الجامعات الفرنسية والخليجية، ولاسيما في كل من دولتي قطر والإمارات، حيث أقامت جامعة السوربون مقرًا تعليميًا لها في أبوظبي، بينما تم التوصل إلى اتفاقيات أخرى للتعاون في المجال الطبي، كما يجري الآن وضع برامج مشتركة بين متحف اللوفر ومعهد العالم العربي، حيث نظم كلاهما معارض فنية إسلامية للوحات رسمها فنانون خليجيون كما أصبحت اللغة الفرنسية تدرس في عدد متزايد من المدارس الثانوية والجامعات الخليجية، فلقد وجدت معاهد الأليانس فرانسيز المركز الثقافي الفرنسي من يلتحق بها، وجذب الإعلام الفرنسي الانتباه لبرامجها، وكذلك ارتفعت أعداد السياح الخليجيين إلى فرنسا، وازدادت أعداد المبتعثين للدراسة في جامعات فرنسا، وبدأت بعض الصحف الخليجية تترجم مقالات من الصحف الفرنسية كصحيفة اللوموند وصحيفة لوفيغارو، مما أدى إلى زيادة الطلب على تعلم اللغة الفرنسية.
6 ـ التواجد العسكري: تم افتتاح اول قاعدة عسكرية فرنسية في أبوظبي، عاصمة دولة الإمارات العربية المتحدة، في عام 2009، يوضح أن الاستراتيجية الفرنسية حريصة على تأمين مصالحها في الخليج ولها طموحات لتكون لاعبا عالميا، حيث اطلقت فرنسا اسم معسكر السلام على أول قاعدة عسكرية دائمة لفرنسا في دولة الإمارات العربية المتحدة، والتي هي أقرب تاريخيا لبريطانيا العظمى والولايات المتحدة.
7 ـ البرنامج النووي الايراني: يمكن القول ان لفرنسا دورا كبيرا وفعالا في مفاوضات البرنامج النووي الايران، ففرنسا عضو في مجموعة خمسة زائد واحد وهي من الدول التي لديها قرارات ومواقف مهمة حيال البرنامج النووي الايراني، فتسعى فرنسا من خلال تواجدها في هذا الملف ليلعب دورا اكبر في المنطقة كما انها تسعى من خلال حضورها هذا الى اعلاء شأنها في اوروبا فهناك صراع خفي بين فرنسا والمانيا وبريطانيا على قيادة المنظومة الاوربية ، ففرنسا تعاني من مشاكل اقتصادية تلقي بظلالها على تواجدها في اوروبا، وبالتالي تتوجه فرنسا نحو منطقة الخليج والتي سوف تنعكس ايجاباً على دورها في المنظومة الاوربية.
واخيرا يمكن الجزم ان فرنسا ترتبط مع دول مجلس التعاون الخليجي الست بعلاقات شاملة ترسخت في الفترة الأخيرة على المستوى السياسي والدفاعي والأمني، علاوة على الجانب الاقتصادي المتمثل في المفاوضات بشأن عقد اتفاقية للتجارة الحرة بين الدول الأعضاء في المجلس والاتحاد الأوروبي، وتصاعد حجم التجارة الثنائية بين دول المجلس وفرنسا، فضلاً عن مساعي الأخيرة بوصفها عضوًا دائمًا في مجلس الأمن وفي الترويكا الأوروبية وقوة نووية، للتأثير على تطورات الأحداث الاستراتيجية في منطقة الخليج العربي ولكن من البوابة الأمريكية التي تتقاطع مصالحها معها، علاوة على مساعيها للتوصل إلى تسوية للأزمة النووية الإيرانية، إذن وصلت العلاقات بين الجانبين مستوى عاليًا من الفاعلية وأخذت ترتكز على التواصل السياسي، والشراكة الاقتصــــــادية، والتعهدات الفرنسية في الأمن والدفاع، فعلى الصعــــيد الســـياسي، تنظر فرنسا الى دول الخليج باعتبارها شركــــاء وأطرافا رئيسية في أي حوار يتعلق بقضايا المنطقة العربية وللأوضاع السائدة في منطقة الشرق الأوسط ومن هنا تكثفت إلى حد بعيد جولات الحوار السياسي على المستويات كافة، وتبنى الجانبان مواقف متقاربة نسبيا حيال القضايا الإقليمية، ومثال ذلك التقارب الخليجي الفرنسي حول الازمة اليمنية، فدول مجلس التعاون الخليجي عموما، وفي مقدمتها السعودية، تلعب دورًا مهمًا في هذه الازمة والتي تساندها فرنسا بقوى بمجمل موقفها.

٭ باحث من العراق

علي زياد

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية