تحول تكتيكي في الحرب الأمريكية ضد تنظيم الدولة في العراق.. ولا مخارج أسترتيجية أو قوة ساحقة تضمن الانتصار

حجم الخط
0

واشنطن – «القدس العربي»: اعترف مسؤول عسكري أمريكي رفيع المستوى بان الولايات المتحدة ليست لديها استراتيجية لإنهاء المعركة المستمرة مع تنظيم «الدولة الإسلامية» في العراق. حيث قال الجنرال جون ألين المبعوث الرئاسي الخاص إلى التحالف الدولي لمواجهة تنظيم الدولة أمام لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب انه لا يوجد مخرج استراتيجي بشأن التعامل مع التنظيم وذلك ردا على سؤال للنائب الان غرايسون .
وكان غرايسون قد طلب من ألين الإجابة بوضوح عما إذا كانت هناك استراتيجية لخروج الجيش الأمريكي من العراق تنهي العملية الجارية ضد تنظيم الدولة، واجاب ألين بعموميات حول الفصل النهائي للعملية بالقول ان استراتيجية الخروج هي في نهاية المطاف عراق آمن اقليميا وذو سيادة والتأكد من ان تنظيم الدولة لا يجد ملاذا آمنا وتعطيل قدراته إلى نقطة عدم القدرة على تهديد العراق والمنطقة والولايات المتحدة.
وفي الواقع وفقا لما قاله غرايسون فان هذا الهدف لا يبدو كاستراتيجية بل قائمة من الرغبات، ورغم تأكيد الجنرال الأمريكي على ان استراتيجية الولايات المتحدة في العراق هي تدمير تنظيم الدولة نهائيا إلا انه لا يمكن للعين البصيرة رؤية استراتيجية خروج.
وجادل ألين بان استراتيجية الولايات المتحدة ليست حول الخروج بل نجاح واشنطن في تمكين الحكومة العراقية من أجل استعادة الأراضي وسيادة البلاد وحرمان تنظيم الدولة في نهاية المطاف من القدرة على التهديد.
اذن ليست هناك استرتيجية خروج ولكن ماذا عن الشرط المهم لهزيمة تنظيم الدولة وهو استخدام قوة عسكرية أمريكية ساحقة؟ تلعثم جنرالات الجيش الأمريكي وهم يهمون باجابة دبلوماسية بان الولايات المتحدة تستخدم قوة كافية لهذا الغرض.
هذا النقاش مهم للغاية لفهم مدى التورط الأمريكي في العراق ومجريات الأحداث الراهنة والرؤية المرتبكة حول المستقبل، فالولايات المتحدة بدأت في شن ضربات جوية حنبا إلى جنب مع دول التحالف منذ اب/اغسطس عام 2014 كجزء من عملية «الحل المتأصل»، وإضافة لذلك نشرت واشنطن أكثر من 2500 من مشاة البحرية والجنود لتدريب الجيش العراقي وتنسيق الضربات الجوية. وبلا شك، تتداخل المعارك الأمريكية ضد تنظيم الدولة في العراق في تعقيدات وحسابات سياسية داخل العراق والولايات المتحدة نفسها حيث قصفت الطائرات العسكرية الأمريكية مثلا معاقل «الدولة الإسلامية» في مدينة تكريت يوم الخميس الماضي بعد تهميش الآلاف من المقاتلين الشيعة المدعومين من إيران بطلب أمريكي حتى تتمكن واشنطن من اتخاذ دور مركزي في المعركة.
وقد اضطرت الحكومة العراقية لمنع الميليشيات الشيعية المدعومة من طهران من خوض المعركة القادمة من أجل الاستفادة من الضربات الجوية الأمريكية مما أثار حفيظة القوى الشيعية التي تشكل الجزء الأكبر من المقاتلين حول المدينة، وبالفعل تم الانسحاب ولكن الميليشيات حافظت على مواقع استراتيجية.
وسيمنح هذا التحول الولايات المتحدة يدا أقوى في تحديد كيفية محاربة تنظيم الدولة ولكنها تخاطر باستعداء قوة قتالية قامت بمعظم العبء في معركة استعادة تكريت، ويعني هذا التحول، أيضا، تصميما أمريكيا على استعادة تكريت وعدم ثقتها أو عدم رغبتها في تواجد الميليشيات الموالية لطهران استعدادا للهجوم الكبير المنتظر لاستعادة مدينة الموصل.
وقد استولى مقاتلو «الدولة الإسلامية» على تكريت الصيف الماضي أثناء هجوم كاسح استفاد من نقاط ضعف قوات الأمن العراقية، وهي مسقط الرئيس العراقي الراحل صدام حسين وتقع في قلب المعاقل السنية في شمال العراق وهي، أيضا، معقل رمزي لقوات تنظيم الدولة التي تسعى لإقامة خلافة في الشرق الأوسط .
ويشير التحول الاستراتيجي الأمريكي في تكريت، أيضا، إلى فشل جنرالات إيران وخاصة الميجر جنرال قاسم سليماني، العقل العسكري المدبر، في تحقيق انتصارات سريعة ضد تنظيم الدولة كما وعدت الميليشيات الشيعية حيث استخف الجنرال لويد أوستن بها وقال انه لا يمكن الاعتماد عليهم في حين أكد عدد قليل من المشرعين الأمريكيين ان البيت الأبيض طلب تهميش الميليشيات التي لا تخضع لسيطرة الحكومة قبل الهجوم الأمريكي على تكريت.
وقد تفاخرت الميليشيات الشيعية الموالية لإيران بتقدمها السريع ضد تنظيم الدولة خارج تكريت ولكنها واجهت مقاومة عنيفة من وسط المدينة، واستنتجت بغداد انها بحاجة لمساعدة من واشنطن مما يعني ان التحول المفاجئ في تكتيكات القتال سيعكس تحولا أوسع نطاقا في بغداد بعيدا عن إيران لصالح الولايات المتحدة.
والنقاش المهم بعد التحولات الاستراتيجية في تكريت يدور حول ما اذا كانت القوات الأمريكية ستلعب دورا أكبر في عملية استعادة ثاني أكبر مدينة عراقية من تنظيم الدولة، فالبيت الأبيض تعهد مرارا أمام الشعب الأمريكي بإبعاد القوات عن المعارك البرية ولكن الفشل في استعادة الموصل من مسلحي تنظيم الدولة سيؤدي إلى خسارة جميع المكاسب التي حققتها الولايات المتحدة منذ آب/اغسطس عندما بدأت بشن الغارات الجوية.
وهنالك الكثير من المستشارين والمدربين الأمريكان في العراق ولكن مهمتهم تقتصر إلى حد كبير على حماية القواعد وليس في ساحة الحرب لأن البيت الأبيض قلق من ان القيام بدور عسكري موسع يمكن ان يؤدي إلى «زحف المهمة» والتوسع البطيء والمشاركة في حرب أخرى، وفي الواقع هناك ، تشريع اقترحه اوباما نفسه بحظر للعمليات القتالية البرية الدائمة ضمن تفويض استخدام القوة العسكرية ضد تنظيم الدولة ، وفي الوقت نفسه، يدفع عدد كبير من المشرعين الجمهوريين البيت الأبيض بإتجاه السماح لفرق القوات الخاصة الأمريكية بمرافقة القوات العراقية وعدم فرض الكثير من القيود على الجيش .
وقد ساعدت حملة القصف الفعالة على طرد المسلحين من مدينة كوباني السورية المحاذية لتركيا ولكن استعادة الموصل تمثل تحديا مختلفا حيث كان بالإمكان إجلاء المدنيين إلى حد كبير في كوباني ولكن مئات الآلاف من السكان ما زالوا في الموصل مما يشكك في دقة الضربات الجوية.
أما مرافقة القوات الخاصة الأمريكية للقوات العراقية في المعارك المقبلة فهي ما زالت خطا أحمر ولكن تحولات معركة تكريت قد تبعد هذه القيود وفقا لآراء العسكر والخبراء الذين أكدوا أيضا على ان وضع المراقبين الجويين مع القوات العراقية من شأنه جعل الضربات الجوية أكثر فعالية على الرغم من امكانية تحقيق المهمة بدونها حيث استخدمت القوات الأمريكية طائرات بدون طيار وقوات برية عراقية لتحديد الأهداف وكانت النتائج فعالة ضد عناصر الجماعة المتشددة وهم في المركبات أو المخابئ ولكن معركة الموصل مختلفة تماما حيث من المتوقع استخدام تنظيم الدولة للمدنيين كدروع بشرية بدلامن محاولة الفرار.
هل حققت الحرب الأمريكية ضد تنظيم الدولة في العراق أي هدف؟ في الواقع، وبعيدا عن انتقادات صقور واشنطن وتبجح قادة تنظيم الدولة فقد تمكنت الضربات الجوية للتحالف الدولي من شق دولة الخلافة الوليدة على نحو متزايد حيث فقد تنظيم «الدولة الإسلامية» الكثير من الأرض والمال والولاء، وبعد ان كانوا على مشارف بغداد فهم الآن تحت كماشة في تكريت، وتقلصت أراضيهم إلى 25 في المئة وخسروا ما لا يقل عن 75 في المئة من الإيرادات اثر قصف المنشآت النفطية، وهذا يجعل من الصعب عليهم مواصلة القتال وتوفير الخدمات لحوالي 8 ملايين نسمة يعيشون تحت حكمهم ولكن في اتجاه آخر تنفق الولايات المتحدة أكثر من مليون دولار من أجل قتل عنصر واحد فقط من تنظيم الدولة الإسلامية وفقا لحسابات الكونغرس مما يثير الكثير من علامات الاستفهام حول جدوى الحرب برمتها أو الفشل الأمريكي الواضح في هزيمة جماعة متمردة بسرعة كافية تناسب الحجم الهائل للموارد المبذولة في هذه الحرب ناهيك عن تبعات المعركة حتى لو تمت هزيمة التنظيم في تكريت والموصل.

رائد صالحة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية