تحوّل المبدع من الشعر إلى الرواية… شهادات من الأردن

الإبداع الأدبي لا يمكن حصره في زاوية معينة أو لون محدد، وغالبا ما ينبثق ويتشكل في عدة فنون تعبر عن ذات المبدع وهواجسه ورؤيته ورسالته، ولكن يتميز كل مبدع بلون واحد ـ غالبا- يطغى على ما عداه، فيُعرف فلان بالقاص، وهو يكتب الشعر أحيانا، وآخر بالشاعر وهو يرسم ويكتب الرواية، وأخير بالروائي وهو يكتب المسرحية والشعر بين الحين والآخر، وهذا لا يعيب المبدع، بل هو دلالة على تدفق إبداعه وتنوعه. ثمة ظاهرة عربية ـ على الأقل- وهي توجه بعض الشعراء لكتابة الرواية، حيث بدأوا النشر شعرا، ومن ثم كتبوا الروايات، بعضهم هجر الشعر وتفرغ للرواية، والبعض الآخر ما زال يزاوج ويتردد بينهما، وإن كان للرواية أكثر انحيازا ونشرا. وعند البحث عن أسباب تحول بعض الشعراء إلى روائيين، نصطدم بمجموعة من التبريرات، وأهمها أن البعض يبحث عن سوق، وما يطلبه القراء ودور النشر، أو مطاردة الجوائز، أو أنه فشل شعرا ويُجرب حظه في الرواية، وغيرها من التبريرات المعتادة. وبما أن العصر هو عصر الرواية بلا جدال، فمن الطبيعي أن يسعى المبدع للوصول إلى أكبر شريحة ممكنة من القراء، فإن كانت الرواية تحقق هذا الهدف، وهو يتقن هذا الفن، فما الذي يمنع أن يلج هذا الباب، وما يكتب هو الفيصل، إما أن يُضاف إلى رصيده الإبداعي، وإما أن يكشف عواره الإبداعي، والقارئ الواعي، وحركة النقد هي الحكم في النهاية.
؟في الأردن عدد لا بأس به من الشعراء الذين بدأوا بالنشر شعرا، ثم تحولوا إلى الرواية، وقد حصرت منهم أحد عشر مبدعا هم حسب الترتيب الهجائي: (إبراهيم نصر الله، أحمد أبو سليم، أمجد ناصر، أيمن العتوم، جلال برجس، جهاد أبو حشيش، حكمت النوايسة، سليم أحمد حسن، علي هصيص، عماد العمرات، يوسف الديك). وفي حاولة التواصل معهم جميعا، اعتذر البعض، وتجاهل البعض، وربما لم تصل الرسالة لقسم منهم. ومَن استجاب دارت إجابته حول السؤال التالي: «بدأتَ بالشعر كتابة ونشرا، ثم تحولتَ إلى كتابة الرواية رحيلا نهائيا أو مزاوجة مع الشعر، ما أســـباب أو دوافع هذا التحول؟»، فكانت هذه المشاركات..

الرواية أكثر جرأة
سليم أحمد حسن

كنت أهتم بدروس اللغة العربية كثيرا، وأتميز في كتابة موضوعات التعبير. ومن ثمّ بدأت بكتابة محاولات شعرية خاصة على أوزان البحور الخفيفة، وأطلع معلمي عليها، فيصحح ويرشد ويساعد، حتى اشتدّ عودي كما يقولون، وبدأت أكتب القصيدة العمودية «سيِّدة الشعر»، وتمضي الأيام، وعرفت قصيدة التفعيلة فكتبتها بأوزانها وقوافيها، وقرأت قصيدة النثر، وما زلت أسأل «قصيدة ونثر» كيف يجتمعان؟ اتجهت بداية للكتابة للأطفال، بحكم عملي في وزارة التربية، مديرا للنشاطات الثقافية، فكتبت الأناشيد والمسرحيات الشعرية المغـنّاة. ولم أنس كتابة القصائد الشعرية، فأصدرت حتى الآن خمسة دواوين للأطفال، وثمانية للكبار. بعد التقاعـد من الوظيفة شعرت بفراغ كبير، فنظم قصيدة لا يأخذ وقـتا إن عُرف موضوعها، فقررت أن أدخل عالم الرواية، فالرواية تأخذ وقتا طويلا حتى تنتهي، وتدخل عوالم وبيـوتا وأماكن يصعب دخول القصيدة إليها، وهي أكثر جرأة في دقة الوصف والتفاصيل. وذلك بعد أن قرأت روايات كثيرة، عربية ومترجمة، ولكنني بقيت أزاوج بين الشعر والرواية وسأبقى إلى ما شاء الله.
■ نشر مجموعة كبيرة من المجموعات الشعرية للأطفال والكبار، منها للأطفال: «دنيا وديـن» 2004، «قالت تلك الطفلة» 2009، «حبيبتي هيــا» 2013. وللكبار: «سيدتي بغداد» 1993، «خطوط متقاطعة» 2005، «الدّم المبـاح» 2016، «عطر القلوب» 2017. ونشر عددا من الروايات منها: «زمن الحيتان» 2012، «تداعيات» 2014، «الجميلة والوحـش» 2016، «أنت تستحق أكثر» 2018.

ليس صراعا، ولكل دوره المختلف
أحمد أبو سليم

قد تكون تجربتي الشَّخصيَّة في هذا المجال مختلفة قليلا، فلا يمكن القول إنني قد غادرت الشعر إلى الرواية، لأنَّ محاولاتي الرِّوائية تكرَّرت منذ عام 1992 وصولا إلى عام 2011 وقد كتبت النثر دائما إلى جانب الشعر، وتعدُّ «الحاسَّة صفر» روايتي الأولى المنشورة وليست المكتوبة. ومع ذلك فالأمر في الحقيقة أَصبح ظاهرة تستحقُّ الدِّراسة وتسليط الضَّوء عليها. ومن هنا فالسُّؤال الذي يكرِّر نفسه تباعا: هل ما زال الشعر ديوان العرب؟ وعلينا لكي نجيب على السُّؤال أن نلقي نظرة أوسع وأشمل للواقع ليس الثَّقافيِّ فحسب، إنَّما السِّياسي، الاجتماعي، الاقتصادي، فالإطار الثَّقافي عموما يرتبط ارتباطا وثيقا بالواقع من كافة النَّواحي.
أعتقد أن إرهاصات تسيد النثر للموقف بدأت منذ خمسينيات القرن الماضي، وقد بدأت بالقصة القصيرة والتنظير لقصيدة النثر، وأعمال روائية محدودة، لذا بوسعي القول إن الرواية هي وريثة القصة القصيرة، التي كانت في مرحلة ما تهيمن على الواقع الثقافي. أما بالنسبة للشعر فقد بدأ يتراجع لصالح النثر لأسباب كثيرة لا يمكن حصرها هنا بسهولة، لكن ذلك لا يعني أبدا انتهاء دور الشعر، فالشعر عادة يتجدد، وهو لغة أخرى، مختلفة، لها دورها الثقافي الذي لا يمكن لأي تمثُّل فنيٍّ أو ثقافيٍّ أن يسد مكانه، لذلك من البديهي القول إن ما يجري بين الشعر والرواية ليس صراعا أبدا، فما تحمله الرواية لا يحمله الشعر، والعكس صحيح، ولكل دوره المختلف. ولكي نعيد السؤال إلى نصابه علينا القول: أي الفنين أكثر تأثيرا في هذه المرحلة؟ ولماذا؟ تلك هي المسألة باعتقادي.
■ نشر شعرا: «دم غريب» 2005، «مذكرات فارس في زمن السقوط» 2006، «البوم على بقايا سدوم» 2008، «آنَسْتُ دارا» 2010، «صد قلبك» 2017. ثم ثلاث روايات: «الحاسة صفر» 2011، «ذئاب منويَّة» 2016، «كوانتوم» 2018.

الرواية مساحة أوسع للكتابة
جلال برجس

لست من أولئك الذين يرون أن الرواية باتت ديوانا للعرب، بل إن الشعر ديوانهم الذي جلب الاخضرار للقصائد رغم الصحارى العربية الشاسعة. ما زلت أكتب الشعر ولم أغادره ولن يحصل هذا؛ لأني أؤمن بأنه معاينة للعام عبر الذاتي. أما الرواية فهي معاينة للذاتي عبر العام برأيي الخاص. احتاج للنظر إلى الشارع عبر نافذتي الداخلية، وأحتاج لمراقبة ذاتي عبر الشارع. حالتان لا بد منهما لي إبداعيا. إذن هي مزاوجة بالنسبة لي، فلا أرى أن كتابة الرواية تندرج في باب التحول، هذا المصطلح الذي راج مؤخرا؛ لكثرة ما بات يكتب من الروايات من قبل الشعراء، ولو أن هنالك عددا منهم أخذ بكتابة الرواية طمعا بالرواج الذي تحققه، لكن برأيي أن هذه الخطوة محفوفة بالمخاطر الإبداعــــية، فحينمــــا يكتب الشـــاعر رواية، عليه أن يـــوازن بين لغـــــة الشاعر ولغة الروائي، هذا إن لم يستطع التخلص منها، وألا يجعل شعرية اللغة الروائية على حساب الحدث والعناصر التي تحمله. إن أهم ما يمكن أن ينجــــح به الشــــاعر حينــــما يكتب رواية هو شعرية الحدث، التي أرى أن عليها أن تحل محل الفائض في شعرية اللغة، التي غالبا ما يقع في شركها الشعراء الذي يتجهون للسرد. ما دفعني لكتابة الرواية، هو سعيي إلى مساحة أوسع للكتابة، فالشعر أساسه التكثيف، وهنالك أفكار كثيرة يمكن التعبير عنها روائيا، وحاجتي للرؤية الذاتية والعامة عبر الشعر والرواية، إنها مزاوجة وليست تحولا.
■ نشــر شعرا: «كأي غصن على شجر» 2008، «قمر بلا منازل» 2011. ثم ثلاث روايات: «مقصلة الحالم» 2013، «أفاعي النار» 2016، «سيدات الحواس الخمس» 2018.

أكثر قدرة على استيعاب الحوادث الجسام
علي هصيص

أعتقد أن في هذا بعضا من المبالغة في حقِّ الشعراء، فالشاعر حين يكتب الرواية بعد جولات من العِراك والاشتباك مع الشعر لا يعني أنه انقطع عن ذاته الأولى، أو أنه شكل هويَّة ذاتية ثانية، فهو أكان شاعرا أم روائيا يظل أديبا وكاتبا يصارع حالات الكتابة كلما لاح له شيطانها هنا أو هناك. لم أكن أقصد الرواية، وبدقة أكثر أقول: هي التي قصدتني، إذ كنت مختنقا بحالة ما؛ لم أجد وسيلة للخروج منها إلا بالرواية، وبدأت أكتب فعلا، وسميت روايتي الأولى «الرواية»، التي لم تكن حاله منفصلة عن حالة الشعر، وإن كان هناك كثيرون ممن قالوا: أنت روائيا أقوى منك شاعرا، ولكنني واصلت الاشتباك مع الحالتين، فكتبت الشعر وكتبت الرواية، فكانت رواية «ديزل» بعد سنتين من نشر رواية «الرواية»، في خط مختلف تماما عن سابقتها، وفي لغة مختلفة أيضا. برزت ظاهرة الشاعر الروائي، وانتقال الشاعر إلى الرواية أو المراوحة بينهما، وهذا يعود لأسباب منها انتقال القارئ العربي إلى الرواية الأكثر قدرة على استيعاب الحوادث الجسام التي مرت وتمر بها الأمة، ناهيك عن انقطاع النَّفَس الثوري الذي كان يعبر عنه الشعر ويمثله خير تمثيل، فركن القارئ إلى الرواية التي تعطيه مساحة أوسع للتفكير وقراءة الواقع، فكان هذا واحدا من الأسباب التي أدت بكثير من الشعراء إلى أن يتجهوا نحو الرواية.
■ نشر شعرا: «أوان الندى» 2002، «قماش العتمة» 2005، ثم روايتين: «الرواية» 2010، «ديزل» 2011.

٭ كاتب أردني

تحوّل المبدع من الشعر إلى الرواية… شهادات من الأردن

موسى إبراهيم أبو رياش

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية