تحية من بيروت لرضوى عاشور «أنثى الكلام المعاصرة»

حجم الخط
0

بيروت ـ «القدس العربي»: حضرت ضحكة رضوى عاشور المفعمة بالثقة والحب إلى قاعة انطوان حرب في قصر الأونيسكو في بيروت. صار المكان الواسع دافئاً بسيرتها الأدبية النقية والثابتة. إلى الجمهور المنصت بأسى لرحيلها في أوج العطاء، انضمت شخصيات رواياتها، خاصة «الطنطورية». ففي تحية المجلس الثقافي للبنان الجنوبي لرضوى عاشور بحضور زوجها الشاعر مريد البرغوثي، ونجلها تميم البرغوثي، سرى فيض من مشاعر ود وتقدير وحزن دفين. فلمن تحلق الجمع الكبير حول هامتها الأدبية الرفيعة، صلة رحم مع بيروت الحرية والمقاومة وعلى مستويات عدة. الكلام في رضوى عاشور الإنسانة والأديبة أسند لنخبة مختارة في النقد والفكر، أكثرهم جمعته بعاشور معرفة وطيدة عمادها الفكر والموقف، والصلة الإنسانية. فطغى على بعض الكلمات استعادة عاطفية مع إنسانة غمرت من حولها بحبها وحيويتها. هو حال الناقدة يمنى العيد التي ولجت إلى أنفاس شخصيات روايات عاشور، بعد ايفائها ما تستحق كإنسانة. وصفت كتاب «أثقل من رضوى» بـ»البالغ الجمال، الذي آلمني بقدر ما أدهشني». من كتابات عاشور توقفت العيد عند علاقتها بالأمكنة «ابنة البلد الحقيقية التي عشقت أمكنة عيشها.. راحت تحفر في طبقات الأمكنة لترفع الأقنعة التي أسدلت عليها». وخاطبتها: كأنك عالمة آثار. وأضافت: أنثى الكلام المعاصرة، كأنك جدّة لهذا الزمن الذي نعاني عيشه. جدّة حداثية تكتب عن طباع التاريخ.
المؤرخة بيان نويهض الحوت تختزل بعضاً مما تعلمته من رضوى عاشور المقدامة، بعد تعارف ولقاءات بدأت في القاهرة عام 1983، «أن الشجاعة ليست في التحليل والرأي، بل في طرح الأسئلة». رواية «الطنطورية» استوقفت نويهض خاصة من خلال اختصاصها الأكاديمي، إذ قرأت في تطورها السردي إمساكها لأجيال أربعة من أبناء شعب فلسطين. وتالياً، تلك الدراية التفصيلية جداً بمخيم عين الحلوة في جنوب لبنان، حيث تدور أحداث «الطنطورية». وسألت: هذه المصرية الأصيلة كيف تمكنت من معرفة الأزقة في مخيم عين الحلوة؟ وروت خلاصة لتميم البرغوثي عن والدته: «أمي حافظة شوارع مصر بالسنتي».
«هي شخصية صلبة، جعلت منها مناضلة ملتزمة بالعدالة»، بعض من صفات استخلصها الأكاديمي لطيف زيتوني. وعاد إلى تعريفها لذاتها المختصر والواضح: أنا امرأة عربية ومواطنة من العالم الثالث. وربما هذا كاف ليحدد مسارها الأدبي، الأكاديمي والسياسي. هو طريق بحسب زيتوني قادها إلى فلسطين، وإلى «الطنطورية». برأيه «الطنطورية» ليست قرية في فلسطين «بل هي فلسطين بعينها.. في هذه الرواية لاعبت الكاتبة المنظور وحجبت عنا الراوي.. لاعبت الكتابة السردية نفسها. لأن الحالات القصوى كالاقتلاع ليست سهلة.. ملاعبة متينة نُسجت من خلال القضية.. إنها إعادة بناء ذاكرة الجميع لاستيعاب الأحداث التاريخية والاجتماعية، وإعادتها إلى الذاكرة الوطنية.. شخصيات الرواية في «الطنطورية» لم تتخل لا عن الماهية، ولا عن الهوية ولا عن الحق بالأرض».
الختام كلمات من القلب تحاول التفوق على الحزن من رفيق درب رضوى عاشور الشاعر مريد البرغوثي. في كلمته استحضر رضوى الإنسانة، المُحبة لطلابها، المرأة الجميلة، الروائية النشيطة، المناضلة الدؤوب. كان في كلماته وكأنه يرسمها بألقها، حيوتها وذكائها. وألقى قصيدة طلب فيها فتح الأبواب ليخرج الحزن، ولتدخل السيدة. شكر المنظمين وخلص بأن: محبة الناس لرضوى أهم تكريم.
في تلك الأمسية في بيروت حام طيف رضوى عاشور على عجل، ألقى التحية، وأوصى من حضر ومن غاب بـ»الطنطورية» وبـ «مصر». فهي أغمضت عينيها قلقة، وفي بالها تتدافع الأسئلة الشجاعة.

زهرة مرعي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية