الرياض – «القدس العربي»: قبل نحو عشر سنوات حين لم يكن الصراع السياسي على أشده بين السعودية وإيران لم تكن السعودية تنظر بقلق أو بعين الريبة الى النشاط النووي الإيراني.
وكانت السعودية ومعها دول مجلس التعاون الخليجي تدعو خلال السنوات البعيدة الماضية الى «إخلاء منطقة الشرق الأوسط من الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل، وبذلك كانت تقصد اسرائيل وأسلحتها النووية بشكل خاص.
وفي مؤتمر القمة الخليجية الذي عقد في أبوظبي عام 2005 والذي بحث خلاله موضوع النشاط النووي الإيراني، اكتفت دول مجلس التعاون في هذه القمة بالتحذير من مخاطر الكوارث الإشعاعية والنووية للنشاط النووي الإيراني (وذلك في إشارة الى المخاطر التي قد تنجم عن ضربة عسكرية اسرائيلية لمفاعل بوشهر النووي الإيراني القريب من مياه الخليج ومن الكويت بشكل خاص).
ولكن منذ خمس سنوات وحين بدأ الصراع السياسي الإيراني السعودي يحتدم، أخذت السعودية ومعها معظم شقيقاتها الخليجيات، تنظر بعين الريبة والقلق الى النشاط النووي الإيراني، وبدأت دول مجلس التعاون الخليجي تتخذ المواقف المعارضة للنشاط النووي الإيراني وتعبر عن قلقها من محاولات إيران امتلاك الأسلحة النووية، ويبدو أن السعودية انتبهت مؤخرا الى ان امتلاك إيران للسلاح النووي يساعد في مساعيها لفرض هيمنتها على المنطقة الخليجية على اعتبار أنها ستكون القوة الإقليمية الأكبر في المنطقة إن لم نقل الأوحد.
ولذلك أعلنت دول مجلس التعاون الخليجي عام 2009 أنها ستسعى للحصول على الطاقة النووية للأغراض السلمية، وكلفت الأمانة العامة لمجلس التعاون بالاتفاق مع وكالة الطاقة النووية لوضع دراسة استراتيجية حول سبل امتلاك الطاقة النووية للأغراض السلمية.
ولوحظ انه بعد هذا القرار الخليجي المشترك صدر مرسوم ملكي سعودي عام 2009 جاء فيه أن «تطوير الطاقة الذرية يعد أمراً أساسياً لتلبية المتطلبات المتزايدة للمملكة للحصول على الطاقة اللازمة لتوليد الكهرباء وإنتاج المياه المحلاة وتقليل الاعتماد على استهلاك الموارد الهيدروكربونية».
وفي عام 2011 تم الإعلان في السعودية عن خطط لإنشاء ستة عشر مفاعلاً للطاقة النووية على مدى العشرين عاماً المقبلة بتكلفة تبلغ أكثر من 80 مليار دولار. وستقوم هذه المفاعلات بتوليد ما يقرب من 20 في المئة من الكهرباء، بينما كانت ستخصص المفاعلات الأخرى – الأصغر حجماً وطاقة – لتحلية المياه.
ورغم ان خطط الرياض للحصول على الطاقة النووية بطيئة وطويلة المدى، إلا ان هذا أثار مخاوف الغرب من أن يكون بين أخطر النتائج المحتملة لامتلاك إيران قدرات نووية هي سعي المملكة العربية السعودية لمضاهاتها.
ويقول تقرير لمعهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى « لقد أوضح الملك عبدالله لنظرائه الأمريكيين بأنه إذا ما حصلت إيران على قنبلة نووية فإن المملكة ستحذو حذوها، مهما كانت التزاماتها بموجب معاهدة حظر الإنتشار النووي». إن تعريف هذه الحالة – سواء من خلال شراء سلاح نووي فعلي أو امتلاك قدرات نووية عسكرية غير معرّفة بشكل دقيق – هو إحدى نقاط الاختلاف في النهج الديبلوماسي لكل من واشنطن والرياض تجاه طموحات إيران النووية. ورغم الاتزان الواضح لـ «الوكالة الدولية للطاقة الذرية» فيما يتعلق بأنشطة المملكة النووية، والشراء الأولي لصواريخ صينية في عام 1988، وزيارة كاهوتا في عام 1999، وتحديث أسطول الصواريخ الصينية في عام 2007، فإن ذلك يشير إلى وجود استراتيجية متطورة وطويلة الأجل.
فالولايات المتحدة هي بالفعل على دراية بالمنشآت الصحراوية التي يدعي السعوديون بأنها منشآت مرتبطة بالنفط رغم عدم وجود أي خطوط أنابيب قريبة منها. كما سبق رصد عناصر من كوريا الشمالية في المملكة.
وهذا السعي السعودي للحصول على الطاقه النووية، هو محاولة من الرياض لتكون شريكا في المحادثات الدولية (دول 5+1) مع إيران بشأن نشاط طهران النووي، صحيح ان السعودية لا تشارك في هذه المباحثات الدولية مع طهران – وآخرها الاجتماعات التي استضافتها العاصمة العمانية الأسبوع الماضي بين وزير الخارجية الأمريكية جون كيري ونظيره الإيراني محمد جواد ظريف بحضور مسؤولة الشؤون الخارجية بالاتحاد الاوروبي، والتي تباينت المعلومات بشأن نتائجها- إلا ان الرياض ترى ان حلفاءها الأمريكان والاوروبيين لابد وان ياخذوا بعين الاعتبار المصالح السعودية والخليجية خلال المحادثات، بعد ان أفهمت الرياض واشنطن وغيرها انه اذا اتخذت مواقف لينة من طهران تسمح لإيران بالاستمرار بنشاطها النووي، فان السعودية ستسرع الخطى ببرنامجها الخاص بامتلاك الطاقة النووية «للأغراض السلمية».
لأن السعودية ليس لديها شك في ان إيران تسعى لامتلاك القدرات على تصنيع السلاح النووي بهدف تحقيق طموحاتها في أن تصبح القوة الإقليمية المهيمنة على المنطقة، وهذا يعمل على تكريس الخلل القائم في موازين القوى في المنطقة وكل هذا لتحقيق طموحاتها بان يتعامل الغرب والدول الكبرى معها بندية.
والسعودية لا تقلقها كثيرا نتائج المحادثات الدولية مع طهران بشأن نشاط طهران النووي، بقدر ما تقلقها المحادثات والاتصالات الســـرية التي تجري بين العاصمتين الإيرانية والأمريكية، لذلك الرياض عينها على واشنطن خوفا من أن تكون هذه المحادثات والإتصالات السرية تمهد لفك العزلة الدولية عن طهران في هذا الوقت الذي يحتدم فيه الصراع السياسي السعودي- الإيراني.
سليمان نمر