إسطنبول – «القدس العربي»: على الرغم من تأكيد الجهات الرسمية التركية على وجود نمو كبير في الاقتصاد التركي طوال السنوات الماضية، يعبر العديد من المراقبين الاقتصاديين عن خشيتهم من تعرض الاقتصاد لهزات قد تلحق الضرر الكبير به بسب الارتفاع الكبير في معدلات الدين العام.
والمؤكد بحسب المراقبين أن الاقتصاد شهد معدلات نمو غير مسبوقة في كافة المجالات منذ تولي حزب العدالة والتنمية مقاليد الحكم في البلاد عام 2002، إلا أن ارتفاع معدلات الدين العام شكل هاجساً لدى البعض من إمكانية عدم قدرة الحكومة على سداد الدين قصير المدى، وهو ما يعتبره البعض أمرا غير منطقي ولا يمكن حصوله.
وبحسب التصريحات المتتالية لوزراء الحكومة التركية المدعمة بالأرقام والإحصاءات، بات ينظر إلى تركيا على أنها نموذج اقتصادي فريد من نوعه، من حيث سرعة التطور، الأمر الذي ظهر جلياً خلال الأزمة المالية التي عصفت بالجارة الأوروبية، إذ حافظت تركيا على ثبات معقول في مشروعها التنموي على الرغم من جميع الأحداث السياسية المتلاحقة التي تحيط بدول الجوار.
رئيس الوزراء التركي الجديد أحمد داود أوغلو أكد في برنامج حكومته الذي قدمه للبرلمان أن الديون العامة التركية خرجت من دائرة الخطر، وأن الحكومة ستستمر في انتهاج السياسات التي من شأنها تقليص الديون، معتبراً أن الانتخابات المحلية وانتخابات الرئاسة، لم تشكل عبئاً على الموازنة العامة، وأن تلك السياسات ستتواصل خلال عام 2015.
كما أشار إلى أن تركيا شهدت خلال السنوات الـ 12 الأخيرة نمواً سريعاً وقياسياً، وأن الحكومة الجديدة تعطي أولوية للانضباط المالي، والبحث العلمي، وتنشئة أجيال شابة ذات كفاءات نوعية.
لكن وبحسب الأرقام الصادرة عن البنك الدولي فإن الناتج المحلي التركي بلغ 786 مليار دولار، مما يضعها في الترتيب الثامن عشر عالمياً وفق قيمة الناتج، ونتيجة لذلك ارتفع مستوى دخل الفرد إلى ما يقارب 10600 دولار سنوياً، بحسب الإحصائيات ذاتها.
وفي ظل هذه التطورات كان من الواضح تغير النمط الاستهلاكي للمواطنين، فقد ارتفع الطلب على السلع المستوردة، بالتزامن مع عروض كبيرة من قبل المصارف للإقراض دفعت المواطنين إلى زيادة الطلب على العقارات والأصول المختلفة.
تشير الإحصاءات إلى أن إجمالي الصادرات التركية إلى العالم بلغ العام الماضي 129 مليار دولار، في حين كانت الواردات تزيد على 207 مليارات دولار، يعني وجود عجز يصل إلى (78 مليار دولار) في الميزان التجاري.
بالتوازي مع ذلك، تعاني تركيا حملاً ثقيلاً يتمثل في إجمالي الديون العامة المستحقة عليها، إذ بلغت بحسب مصادر متعددة (386 مليار دولار) ـ لم يتسن التأكد من دقة الرقم من مصادر مستقلة- الأمر الذي خلق تخوفات كبيرة لدى المستثمرين، وتحذيرات من قبل خبراء من أن تنعكس هذه الأرقام على الاقتصاد التركي لتظهر على شكل عجز حقيقي يخلق هزة قوية غير محسوبة العواقب.
ويتخوف الخبراء الاقتصاديون من وصول الأمر إلى عدم قدرة الحكومة التركية على الوفاء بالتزاماتها قصيرة الأمد إلى دائنيها، الأمر الذي سيشكل بداية حقيقية للأزمة، في حال وقوعها. ويربط البعض بين نمو الاقتصاد التركي واستقطاب مبالغ طائلة من رأس المال الأجنبي، إذ تدفقت الأموال على المصارف التركية من المؤسسات المالية والمصرفية كملاذ مغرٍ وأكثر أماناً في ظل ما شهدته القارة الأوروبية وأمريكا الشمالية من أزمات مالية، خصوصاً بعد السياسات المالية الأمريكية التي سهلت وبفوائد قليلة الإقراض للمؤسسات المالية، التي بدورها توجهت بهذه الأموال للمصارف التركية.
زيادة الإيداع الخارجي في المصارف التركية سهل ووسع عمليات الإقراض للشركات والأفراد في تركيا، والذي أدى بدوره لزيادة في الإنفاق. أي إن جزءاً كبيراً من هذا النمو مرتبط بالسياسة المالية الأمريكية والأوروبية.
ولما كانت رؤوس الأموال الأمريكية والأوروبية التي تتوجه إلى تركيا مرتبطة بانخفاض سعر الفائدة في هذه الدول، فإن أي ارتفاع في سعر الفائدة سيؤدي إلى خلق أزمة كبيرة في المصارف التركية، وهو ما سينعكس على اقتصاد الدولة بشكل عام.
في سياق آخر، تلتقي في إسطنبول يومي (15-16) أيلول/سبتمبر الجاري، شخصيات مؤثرة في عالم المال من جميع أنحاء العالم، ومؤسسات مالية دولية، في «قمة إسطنبول المالية» الخامسة.
وتناقش القمة، التطورات الاقتصادية في العالم، ومسائل مالية، واقتصادية متعددة مثل التمويل المبتكر، والاستثمار المصرفي، وصناديق رأس المال الاستثماري، والخدمات المصرفية، فضلا عن مناقشة أساليب تطوير البنية التحتية للأسواق المالية.
ومن المتوقع أن يشارك في القمة، «علي باباجان»، نائب رئيس الوزراء التركي، و»محمد شيمشك» وزير المالية التركي، ومسؤولون رفيعو المستوى من تركيا، وشتى أنحاء العالم.
كما يشارك ممثلون عن العديد من المؤسسات المالية العالمية الشهيرة، من الولايات المتحدة الأميركية، وأوروبا، وآسيا، وأفريقيا.
إسماعيل جمال