باعتبار ان الدبلوماسية الوقائية، كما يراها كثير من المفكرين والمختصين السياسيين، هي أشبه ما تكون بالوقاية الصحية والرعاية الطبية حيال الأوبئة والأمراض المختلفة، فهي تقوم على استعمال الوسائل والأدوات المناسبة، لمنع ظهور النزاعات اولاً، ثم، إذا ما ظهرت هذه النزاعات، العمل على منعها من التحول إلى منازعات مسلحة، أما إذا تحولت النزاعات إلى منازعات مسلحة، فدور الدبلوماسية الوقائية هو الحيلولة دون توسعها وانتشارها.
وبإلقاء نظرة فاحصة على واقعنا العربي، نجد أنه لا مكان في السياسات العربية للدبلوماسية الوقائية، وكأن هذه الوسيلة، التي تعتبر من أهم وأقدم وسائل تسوية النزاعات بين الدول، أو حتى في إطار الدولة الواحدة، لا وجود لها في القاموس الدبلوماسي العربي الحديث. لقد عجز العرب على امتداد تاريخهم الحديث، عن علاج أي نزاع أو خلاف بين الدول العربية، أو في نطاق الدولة الواحدة، وفشلت الجامعة العربية في القيام بأي دور إيجابي في تسوية المنازعات العربية، والشواهد على ذلك كثيرة، نذكر منها، على سبيل المثال لا الحصر، مشكلة الصحراء الغربية بين الجزائر والمغرب، وحركات التمرد والانفصال في جنوب السودان وشماله، والحرب الأهلية في الصومال، والخلافات الفلسطينية المزمنة بين السلطة وحماس، لا بل كانت الجامعة العربية، في أغلب الأحيان طرفاً أو شاهد زور في الخلافات العربية، والمثال الفاضح على ذلك هو الغزو الأمريكي للعراق سنة 2003، بدعم من دول عربية ومباركة الجامعة العربية، والشاهد الحي هذه الأيام، هو موقف الدول العربية والجامعة العربية من النزاعات المتفجرة حالياً في كل بقعة من الوطن العربي. إن الانفجارات الكارثية للأزمات والصراعات في جميع انحاء الوطن العربي هذه الأيام، التي هي اشبه ما تكون بوباء «جنون البقر «، دليل واضح على فقدان العقل العربي، وعلى الغياب المطلق للدبلوماسية الوقائية في التعامل مع المشاكل والقضايا والأزمات التي تعاني منها المجتمعات العربية، ومحاولة علاجها بالطرق الوقائية قبل انفجارها، أو السيطرة عليها قبل اتساعها واستفحال أمرها. علينا أن نعي، أن الدبلوماسية الوقائية، هي حالة ملحّة، للتعامل مع النوازل العربية، وهي مسؤولية الــــدول العربية منفردة ومجتمعــــة، ومســؤولية الجامعة العربية وظيفـــياً وأخلاقيا، وهي مسؤولية المـــؤسسات والمنظمات العربية، القومية والوطنــية والإنسانية، بكافة أشكالها، خاصة منظمات المجتمع المدني، والتنظيمات والمجالس والجمعيات والإتحادات الأخرى، مهنية كانت ام إجتماعية، وهي أيضاً مسؤولية الجامعات ومراكز الدراسات والأبحاث، وهي مسؤولية الأفراد من حكماء وعلماء ومفكرين، وهي بشكل خاص مسؤولية وسائل الإعلام العربية، التي تساهم، للأسف، في الغالب، بإشعال الفتن وإذكاء الأحقاد والانحياز الانتهازي والنفعي لأطراف النزاع .
إن الإسراع في توظيف الدبلوماسية الوقائية، لمعالجة النزاعات العربية العربية المتفجرة هذه الأيام، بين الدول او في نطاق الدولة الواحدة، يستدعي بالدرجة الأولى، القيام بالعديد من الأنشطة والفعاليات والإجراءات، ذات الطــابع العلاجي او الوقائي، في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وأكثرها إلحاحاً ونجاعة ما يلي:
معالجة حالة التجزئة والتبعية، حيث وصلت الأمة ودولها وشعوبها إلى حافة الانهيار، بسبب الصراعات والنزاعات العبثية، خدمة لمخططات ما أُطلق عليه «الفوضى الخلاقة «، وما لم نسرع في الالتقاء حول القواسم العربية المشتركة، التا يراها كل عاقل، وينكرها كل جاهل، ويحاربها بالطبع كل عدو، وما لم نتخذ خطوات عملية سريعة لتحقيق التكامل والتوافق والتعاون، فإن تسارع الانشطارات السرطانية في كيان الأمة، وتزايد الأطماع والاستقطابات الخارجية، سوف يحوّل الكيانات العربية المنشطرة، إلى تجمعات ومحميات، تابعة ذليلة، بلا انتماء ولا وطن ولا هوية.
إن غياب الديمقراطية الحقيقية عن الحياة السياسية العربية، وهيمنة أنظمة الاستبداد، التا كممت الأفواه وقيدت الأيدي وشلت العقول، والتي لم تكن إنجازاتها، على امتداد قرن من الزمان، سوى تخلف حضاري، وجمود سياسي، وتبعية اقتصادية وانكفاء اجتماعي، مما أدى إلى تزايد مشاعر الإحباط والنقمة وانعدام الثقة، حيال أنظمة الاستبداد التي لم تجلب لشعوبها سوى الهزائم والفقر والجهل والتخلف، فكانت ثورات الربيع العربي، رد فعل طبيعي وقانوني وأخلاقي، لاسترداد حقوق الشعوب المغتصبة، ولكنها جوبهت بالثورات المضادة، المدعومة بقوى الهيمنة الأجنبية، تحت ذريعة محاربة العنف والإرهاب والتطرف.
إن الدبلوماسية الوقائية في هذه الحالة، ولوقف الانهيارات المدمرة في كيان الأمة ودولها وشعوبها، تقتضي من النظام الرسمي العربي ومن والاه، الإقرار، عملياً وليس تلفيقياً، بضرورة التغيير والإصلاح، والاعتراف بحقوق الشعوب في الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، وجميع الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية، التي أقرتها المواثيق الدولية، والتزمت بها الأنظمة العربية.
البطالة: تعد المنطقة العربية، ورغم إمكانياتها وخيراتها، وما حباها الله من ثروات، من أكثر مناطق العالم المصابة بالبطالة بكافة أنواعها، من البطالة السافرة، إلى البطالة المقنعة، وحتى البطالة الإجبارية بسبب التهميش أو الإبعـــاد أو الاقصاء لدوافع اجتماعية أو سياسية أو طائفية … إلخ. وتشير التقارير إلى «أن عــــدد العاطـــلين عن العمل في البلــــدان العربية يتجاوز نسبة 30٪ من قوة العمل المحتملة، وهذا المعدل المرتفع للبطالــــة في البلــدان العربية، يشكل إهداراً للطاقات البشرية المنتجة من جهة، ويشكل، من جهة أخرى، تهديداً للاستقرار السياسي والاجتماعي، ويوفر أرضاً خصبة لنمو العنف والتطرف والإرهاب بكافة أشكاله وأنواعه، ويؤدي إلى انحدار متزايد بقطاع كبير من المجتمعات العربية إلى هوة الفقر المدقع، وكذلك يؤدي إلى الانهيارات الأخلاقية والأسرية والاجتماعية، ويشكل أيضاً رافداً أساسياً للهجرة غير الشرعية.
إن معالجة مشكلة البطالة يكمن في تحقيق العدالة الاجتماعية، من خلال توزيع مختلف فرص العمل على أساس من الكفاءة وليس الولاء والمحاباة، ومراعاة الحقوق الأساسية للإنسان، (بدون تمييز بين ابن الزبال وابن المُزبّل)، والعمل على توسيع دور ومساهمة مؤسسات الضمان الاجتماعي والصحي، بشكل إيجابي وفاعل، وتوزيع مختلف فرص الحياة التعليمية والاقتصادية والمعيشية والثقافية والسياسية بشكل عادل، مما سيعيد للمواطن العربي عمق انتمائه بمجتمعه، وولائه لهذا المجتمع، وارتباطه به، والحفاظ عليه.
الفساد: يبقى الفساد، بكافة أشكاله، بدءاً من المحسوبية والمحاباة والرشوة، وانتهاك مبدأ المساواة بين الناس في الخدمات والمعاملات، إلى سرقة المال العام بالوسائل المختلفة، آفة الآفات، والمرض العضال المستشري في كيان الأمة وأقطارها، والمتغلغل في جميع مفاصلها، ويزداد الفساد قوة وضراوة، بسبب التزاوج الخبيث القائم بين أنظمة الحكم والثروة، من أجل تمكين قلة مهيمنة على مقاليد الأمور، من الاستمرار في إحكام السيطرة، من خلال احتكار السلطة والثروة معاً، وقد ساهمت أنظمة الحكم المستبدة باستشراء الفساد في شتى مرافق الحياة بشكل مريع، وقد تسلل الفساد بضراوة في جمــــيع البلاد العربية إلى المؤسسات التي يفترض أن تكون في طليعة الحرب ضد الفساد، مثل القضاء والمجالس التشريعية، ما أدى إلى تهميش وإفقار وإقصاء الأغلبية، وحرمانها من حقوقها الأساسية، وما أعاق إن لم يكن أوقف التنمية الإنسانية في أغلب الأقطار العربية، وأدى بشكل واضح إلى عجز تنموي وإخفاق حضاري على المستويين القومي والوطني، ورغم استفحال وباء الفساد في العالم العربي، فإن محاربته والانتصار عليه يبقى ممكناً، إذا ما وُجدت المؤسسات الديمقراطية الحقيقية، وإذا ما وُضعت إستراتيجية شاملة لمواجهة الفساد، تقوم على المحاسبة والمساءلة والنزاهة. وتبقى تركيا بقيادة أردوغان، نموذجاً يحتذى، في محاربة الفساد، وفي النتائج الباهرة والمذهلة التي حققتها بعد الانتصار عليه .
إن الفشل أو التهاون في اللجوء إلى استعمال وسائل وادوات الدبلوماسية الوقائية، خاصة تلك المشار إليها أعلاه، في علاج الأوضاع العربية الحالية المتدهورة، قد تكون الفرصة الأخيرة، قبل نقل المريض إلى غرفة العناية المركّزة، حيث لا عناية أصلاً، وحيث الآخرون سيكونون منهمكين في تقاسم وتوزيع تركته.
٭ كاتب ليبي
سالم قواطين