كما يفعل كل ذكور هذه الأمة… استرخيت تماما بعد وجبه دسمة ليلة عيد الأضحى المبارك ووضعت أم العيال أمامي كمية من المكسرات وتدفقت أشاهد على «أم بي سي» للمرة الأربعين على الأقل فيلم «الرسالة» الشهير للمرحوم مصطفى العقاد.
من كان يدري بأن العقاد سيقتل في تفجير إنتحاري في بهو فندق أردني من فئة النجوم الخمسة، رتبه ونظمه مجرمون يختبئون خلف تلك الرايات السوداء التي أظهرها الرجل في فيلمه الشهير.
مشاهدة فيلم للمرة الأربعين بعد كل الأحداث الأخيرة يعني الإنتباه لبعض التفاصيل.. نعم رايات «داعش» السوداء المرعبة، التي أحالت حياة الإسلام والمسلمين إلى جحيم ونكد يومي هي نفسها الرايات التي حملها نجوم فيلم العقاد.
لاحظت مثلا بأن عدد النجوم الذين ماتوا من أبطال الفيلم قد يتجاوز عدد القتلى في المعارك الافتراضية التي أدارها العقاد… حمدي غيث «أبو سفيان» وعبدالله غيث وخالد سعيد والعشرات من الممثلين، بالمناسبة العجوز الفنان الذي قتل في معركة بدر بسهم في حلقومه أكاد اجزم أني شاهدته يموت في عشر مسلسلات مصرية على الأقل وكأن قدره كممثل أن يؤدي دور الميت الوشيك.
حتى المخرج العقاد مات هو الآخر وعلى حد علمي «دفنت» هند بنت عتبة الحاجة منى واصف جميع زملائها الكبار في فيلم «الرسالة»، وبقيت هي وحدها اليوم، أطال الله في عمرها.
الجرح السعودي
أشعر بالرغبة في تذكير محطة التلفزيون السعودي الثانية بأنها إستعجلت قليلا استخدامها في التحدث بخبر رسمي عن كارثة منى الأخيرة وعن تزامن «التدافع» الحاصل مع حركة جماعية غير منظمة للحجاج الإيرانيين وبطريقة لا تتباين مع تسرع المرشد العام للجمهورية الإيرانية وهو يحاول «تسييس» المسألة لمهاجمة السلطات السعودية.
يمكن ببساطة رصد نغمات «التشفي» والتسييس في موقع لا علاقة تربطه بالسياسة في خطابات الحوثيين ومحطة «المنار» وحتى بعض الشاشات المصرية، لكن هذه اللغة قابلها خطاب لا علاقة له بالمهنة في التلفزيون السعودي الرسمي، الذي يصنف الأخبار عند عرضها بطريقة غريبة، فالخبر عن الكارثة، التي وقعت في قلب السعودية وليس في «هونولولو» حل ثانيا في نشرة الأخبار الرئيسية بعد كلاسيكيات الإستقبالات الرسمية.
شخصيا، لا أعتقد بأن الملك سلمان سيحتج لو شاهد خبره ثانيا في الترتيب بعد خبر الكارثة، لكن من سيحتجون على الأرجح هم طبقة الموظفين الذين يوجد منهم كثر في بلدي الأردن ووظيفتهم تنحصر في المزاودة بالملكية على الملك نفسه.
في كل الأحوال لا يمكن نكران الجهد الذي تقوم به السلطات السعودية منذ قرون في مواسم الحج ولا يمكن العبور على حادثة منى وقبلها واقعة الرافعة على طريقة برنامج «زيارة خاطفة»… نترفع عن الحديث عن مؤامرات سياسية الطابع ولا نشك بحصول خطأ إداري فادح لأن وقوع هذا العدد الهائل من الضحايا لا يمكن أن يحدث دون أخطاء فادحة في الإدارة العليا والمتوسطة، وبتقديري أدرك الملك سلمان نفسه ذلك عندما تحدث عن مراجعة إجراءات مؤسسة الطوافة.
سبق أن رزقني الله بأداء فريضة الحج، وكانت الوصية الأولى دوما: تجنب الوقوع مهما حصل وإستعمل أكتافك للإفلات من الوقوع بين الأقدام، وقد شاهدت بعيني حشر الناس أحيانا لكي يعبر «حاج» من فئة النجوم الخمسة.
لا يمكن إلا تحميل مؤسسات علماء الشريعة أيضا المسؤولية في إستصدار فتاوى تناسب التعقيدات الميدانية وتراعي تطور الأحداث وعدد البشر الهائل بدلا من الانتقال لأسباب تجارية من توسعة إلى أخرى في مواقع المناسك.
تسهيل أمور الحجيج وفتح باب الإجتهاد والقياس هنا أولى من مطر الفتاوى، التي تصدر بين الحين والآخر، إما لتبرير الانحيازات السياسية أو الحملات العسكرية أو لتبرير قطع الرؤوس أو قضايا الطهارة والوضوء… هنا تحديدا على من يضعون العمائم والأشمغة على رؤوسهم من المشايخ أن يشتغلوا للتخفيف عن أبناء هذه الأمة.
هذا ما يحصل في النمسا
وعلى سيرة مؤسسات الفتوى لا بد من التذكير بما شاهده صديق لي على شاشة محطة نمساوية إسمها «إكس» إستعرضت الصلوات والخطابات التي يقيمها مسلمون يقيمون في العاصمة النمساوية في الشوارع العامة والأزقة، وما يتبع من تعطيل السير و«مكايدة» السلطات وغير المسلمين.
بالنسبة لي لا يجوز لنا كمسلمين الصمت في وجه محاولات نقل وتصدير الظواهر الغريبة بإسم الدين إلى الطرف الغربي من الكرة الأرضية، حيث بلاد «الكفر» التي تحفظ حقوق الإنسان الهارب من بلاد «الإيمان».
وبهذه المناسبة قلت لصديقي: الذين يفترشون الأرض ويعطلون سير الناس في شوارع فيينا لإقامة صلوات لا نعهدها… الذين يحاولون المساس بأسلوب وحياة أهل «بلاد الكفر» وهم يسترخون ويترزقون بقوانينها وأنظمتها الحرياتية «الدنيوية»… الذين يريدون إقامة «حدود ألله» في الدنمرك أو دولة الخلافة المجنونة في السويد.. من يقطعون الرؤوس ويرفضون الآخر ويبثون الكراهية في الغرب وبلاد العجم.. من يرتدون ملابس مثيرة للشفقة بزعم أنها «إسلامية» ويطلقون هيئات منفرة في شوارع باريس ولندن.. هؤلاء جميعا التصدي لهم وتعديل انحرافهم مسؤوليتنا نحن المسلمين وليس مسؤولية أنظمة «الكفر» الأجنبية المؤمنة بحق المواطن والإنسان!
نعم تعديل الانحراف مسؤوليتنا نحن معشر المسلمين قبل غيرنا بشرط أن تكف أجهزة الاستخبارات الغربية عن تمويل ودعم الإرهابيين والمجانيين وعن إسناد أنظمة الفساد والاستبداد العربية والإسلامية التي تبعث بهؤلاء أصلا للدول الغربية وتنتج أطنانا من الإحباط.
مدير مكتب «القدس العربي» في عمان
بسام البدارين