يهدف النظام السوري من حملته العسكرية الشرسة على تدمر تحقيق نصر رمزي وميداني. فاستعادة تدمر الأثرية المهددة يدعم صورة الأسد كمحارب بوجه الإرهاب، وكحليف دولي بالحرب على تنظيم الدولة. وبعد انسحاب روسيا من العمليات القتالية الرئيسية، فان الأسد وحلفائه الشيعة من حزب الله وميليشيات إيران يريدون إثبات قدرتهم على تحقيق انجازات عسكرية بعيدا عن الإشراف الروسي المباشر.
ولعل الموقع الهام الميداني لتدمر، يجعلها محط اهتمام أيضا. فهي بوابة الصحراء الشرقية نحو مدن سوريا الحيوية على خط حلب حمص دمشق، وتمركز قوات تنظيم الدولة فيها يجعلهم مطلين على ثلاثة محاور هامة، حمص، القلمون، وجنوبا نحو دمشق. وتمثل بلدة القريتين إلى الغرب من تدمر قاعدة ارتكاز متقدمة نحو طريق دمشق حمص الدولي الاستراتيجي، لذلك فإن الطرف الذي يسيطر على تدمر يمتلك زمام التأثير والمبادرة شرق سوريا الحيوية.
ولسيطرة التنظيم على المدينة أهمية اقتصادية، فعدة حقول للغاز ومنشآت تقع قربها مثل «بئر الحفنة» وقرية «أرك» شمال شرق تدمر، وحقل «الهيل» النفطي، بالإضافة إلى حقول الشاعر الاستراتيجية ومنطقة «خنيفيس» القريبة من مدينة تدمر، تعد من أهم مناطق الفوسفات الإستراتيجية في سوريا.
النظام السوري يريد إيضا الوصول لمدينة دير الزور التي تقع تدمر في منتصف الطريق إليها، ويحاصر تنظيم الدولة قوات النظام السوري في مدينة دير الزور منذ نحو عامين. وكما كانت معارك خناصر وكويريس خطوة أولى للتقدم نحو الطبقة والرقة، فإن تدمر هي مفتاح التقدم نحو دير الزور.
لكن تكون معارك تدمر سهلة بالنسبة للنظام السوري، ورغم أنه يمتلك تغطية جوية وتفوقا عسكريا، إلا ان التقدم نحو مناطق البادية الشامية سيكون غاية في الصعوبة، فالغارات الجوية لا تجدي كثيرا مع أسلوب تنظيم الدولة في الهجمات الخاطفة وعدم التمركز في مواقع محددة، وطبيعة الأراضي الشاسعة تجعل أمر مراقبتها جويا مكلفا بلا جدوى في أغلب الأحيان، لذلك وان كان استمرار قصف مدينة تدمر سيؤدي ربما لتراجع في صفوف التنظيم، إلا ان توغل النظام شرقا والقتال خارج المدينة سيكون مكلفا، عدا ان القوات النظامية المدعومة جويا والمسنودة بامكانيات جيش نظامي قد تستطيع السيطرة على مدينة ما، لكن الأمر الأصعب هو البقاء فيها ومسك المواقع وحمايتها أمام الهجمات الخاطفة المتكررة التي ستحول تلك القوات وكأنها فريسة دخلت فخا لإستنزافها وان على مدى طويل.
تدمر تعد من المدن المركزية لإقليم صحراوي يمنح تنظيم الدولة عمقا استراتيجيا كبيرا من الانبار غرب العراق نحو بادية الشام، لذلك فان تمركز قوات التنظيم في محيط تدمر يعتبر خط دفاع أوليا لهذا الإقليم الصحراوي الذي يشكل بالقرى وبالسكان العشائريين أحد أهم معاقل التنظيم الرئيسية.
وبالنظر إلى أن الهجوم على تلك المعاقل يعتبر تهديدا لتلك «الرمال الدافئة» التي كانت منذ سنوات موقعا لاحتماء تنظيم القاعدة العراقي خصوصا بعد مقتل ابو عمر البغدادي والمهاجر، فان معركة تدمر ومحيطها الطويلة (والتي قد لا تعني معركة المدينة نفسها) قد تحدد مدى قدرة التنظيم على مواجهة الضغوط العسكرية، مع الأخذ في الإعتبار ان هذه الحملة العسكرية الشرسة التي يتعرض لها تنظيم الدولة شمال الرقة ودير الزور من قبل الأكراد، وجنوبيهما من قبل قوات النظام، من محور تدمر والطبقة وكويريس، هذه الحملة قد تجبر التنظيم على التراجع والإنسحاب من بعض مواقعه في الأشهر المقبلة، في حرب أهلية لن تحسم نهائيا قبل سنوات.
وائل عصام