تدوينات على هامش رحيل أولاد أحمد…

حجم الخط
1

(1)على سبيل المرسوم:
*لا يجوز قراءة هذه التدوينات للشامتين أو للانتهازيين وكل من لا يحترم حرمة الموت ولا يجوز لهم ولمثقفي الفلكلور دامغي الرأي الآخر وللوشاة والمداحين البكاء على أولاد أحمد…
*هذه تدوينات أولى أثارتها مشاهد موت محمد الصغير أولاد أحمد، أما المطولات فتحتاج شيئا من الهدوء وفوات العاصفة… حينما يخفت الضجيج…
2) يموت ويبعث الموتى

«حكمة الشعر: موت الشاعر..
بغاية رفع المعنويات تتخذ كلماتنا شكل فراش أزرق
مقتول، خطو غزال مجروح،
قامة زهرة مداسة
هكذا نحن من حال إلى حال ومن مظلمة إلى مظلمة
ومن يتم الى يتم لا يكاد يميتنا وطن حتى يطالب الوطن اللاحق بضرورة بعثنا ليقتلنا من جديد بما يلائم سيادته المحدثة.

أولاد أحمد/الوصية
هو بلا منازع أحد الذين يمكن أن نقول عنهم «ملأ الدنيا وشغل الناس»
– والناس هنا تنطبق على المثقفين فقط –
كان مثيرا للجدل ومشاكسا شديد اللهجة في أدبه وحياته… ويبدو أن هذا الأمر لم ينج منه حتى عند وفاته، حيث تلقفه المزايدون والسياسيون: شق يمجد بطريقة فلكلورية ويحاول الاستفادة الإعلامية والمعنوية من الموت. وشق يتحدث بلهجة شامتة ومريبة منطلقا من خلفيات عداء سياسي… أولاد أحمد يموت ويبعث الموتى ممن لفظهم الفضاء العام وكبدهم الهزائم، فلم يجدوا فيه موطأ قدم على هشاشته… إنهم الآن يركبون جثته بحثا عن أدوار جديدة وبطولات وهمية ويطلقون الكثير من اللغو… فاخرسوا واتركوا الرجل ينام بهدوء… أولاد أحمد، رحمه الله، لا يحب التماثيل والمناحات التي تدعون لها، ولا يحب البروتوكولات ولا المحافل الرسمية التي تنشدونها… فلا تزايدوا عليه وعلينا… ستنظم له الوزارة وأجهزتها، الأربعينية اللائقة هنا وهناك بشرط عدم تدخل بعض الأطراف التي عرفت باقتناصها لمثل هذه الفرص.
يرقد الآن في مقبرة الزلاج في العاصمة مع شهداء وشخصيات الوطن بعيدا عن أهله في سيدي بوزيد… أما نصوصه فلا تزال تتجول حيثما حط قراؤه … ولا مناص من القول- أحب من أحب وكره من كره – إن منابر البلاد ستفتقده بحق…ستفتقد صوته الرافض والمحتج… ستفتقد غضبه وتمرده ولكنها لن تنساه.
3)… أولاد أحمد… واحد نحبه وواحد يحبونه:

فأما الذي نحبه ونعرفه ونعتبر فقدانه خسارة فادحة للبلاد وللمشهد الثقافي الحر فصاحب سياط من حبر يطلق عليهم فاصلته ويطلقون عليه كلابهم… كانت فاصلة أولاد أحمد التي تجولت في صحف ومجلات عديدة منها مجلتي المغرب والملاحظ وحملت يافطات مختلفة من أخطر البطاقات الصحافية في تونس وأكثرها تنطعا ومشاغبة واستفزازا للسلطة والموالين لها، خصوصا منهم كتبة السلطة من المداحين ومن الوشاة… كان يجلدهم في هذه المساحة ويسخر منهم ويفضحهم… وقد نشرها لاحقا في كتاب نثري في التسعينيات…
أذكر جيدا هذه الفواصل التي تعتبر علامة في الصحافة التونسية شأنها شأن لمحة محمد قلبي، وأعمدة عمار منصور، وسمير المزغني، ومنصف الوهايبي، وغيرها من الأعمدة التي كانت تشد القارئ… ولعل هذه الفواصل أول ما زرع بداخلي حب كتاباته ونشر في ذهني معنى الكتابة الاحتجاجية الرافضة.
والحقيقة أن هذه الفواصل كانت نقدا جريئا وساخرا استهدف السلطة ومعارضيها في الوقت نفسه ومنها فاصلته عن الحدث الذي وقع بين 6 و8 نوفمبر/تشرين الثاني 1987 في تونس، وهو مقال جريء وطريف أذكر منه قوله «ماذا لو وقع الحدث الذي جد بين 6 و8 نوفمبر في 29 فبراير/شباط من سنة كبيسة؟ هل كانوا سيخرجون للمطالبة بتغيير دستوري يكون بمقتضاه شهر فبراير 29 يوما كل سنة حتى يتمكنوا من أداء فريضتهم في المديح؟» ويضيف في مقطع آخر «أن بلادا يعد المديح من صناعاتها الثقيلة في حاجة أيضا إلى تأهيل مداحيها ووشاتها» وغير ذلك من المقالات التي اختلط فيها اليومي بالسياسي مرفقا بنبرة الاحتجاج…
هكذا أحببناه وبحثنا عن مقالاته وقصائده لنحطها على الجراح وهرعنا لأمسياته انتشاء بمشاغباته السياسية والفكرية وتمرده على الخطاب الرسمي… كنا نحب فيه صوت الهامش والمهمشين… صوت الرفض والتمرد وإزعاج الموالين للسلطة.
كان أولاد أحمد الذي نحبه متمردا على الدوام… يأتي الملتقيات والأمسيات في معطفه الطويل متمردا… محتسيا… مزمجرا… مهووسا بالأسئلة الكبرى وكنا نحبه… كان ظاهرة خاصة يصعب أن تتكرر في المشهد الثقافي التونسي.
هذا هو أولاد احمد الذي نحبه والذي يستحق صفحات مطولة من الكتابة…
4) عزف عشوائي
لم يجالسوه يوما… لم ينصتوا إليه… لم يقرأوا له حرفا ولم يفهموا شيئا من شعره… فهم بطبعهم لا يعنيهم الشعر ولا الشعراء… كان بعضهم يخشاه ويهرب منه وكان البعض الآخر غاضبا منه.. وربما أساء له بعضهم قبل وبعد الثورة… كلهم الآن يعزفون…»نحب البلاد» عزفا عشوائيا ويتحدثون عن الشاعر…

كاتب وباحث تونسي

رياض خليف

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية