بيروت ـ «القدس العربي»: يقال أن الإعلام اللبناني منارة لبنان، وحارس الديمقراطية، وأحد أهم منابر السلطة الرابعة في العالم العربي. فقد تميز لبنان، على مدى سنين طويلة، بتمتعه بحرية إعلامية ودور تثقيفي رائد في حياة المواطن اللبناني والعربي. إلا أنه، ومع اندلاع الحروب، الداخلية والإقليمية، وغياب قواعد مهنية ناظمة للإعلام والنقابات، تحولت الحرية الإعلامية إلى أداة أسيء من خلالها استخدام مؤسسات الإعلام، بإعتبارها إمتدادا للسياسة الطائفية، للفضاء الواسع ونجمت على اثرها تجاوزات في أخلاقيات المهنة وقواعدها. ويواجه لبنان، بسبب هذه التجاوزات، التي لا تخضع في معظمها للرقابة، تحديات تتعلق بعدم الإلتزام بالمعايير والضوابط المطلوبة في وقت تحول فيه المواطنون إلى سلع إعلامية إستهلاكية.
وأدت المنافسة بين المؤسسات الإعلامية اللبنانية لجذب الجمهور إلى المبالغة في صياغة الخبر ونشر أخبار كاذبة أو غير مدعمة بمصادر موثوق .
ويفتقر لبنان، وفق هذه التحولات، إلى دور إعلامي نهضوي موجه للرأي العام والمصلحة العامة، إضافة إلى تنظيم المهنة وتعزيز إخلاقياتها ما يتطلب إعادة النظر بالقوانين ومعايير الحوكمة الخاصة بقطاع الإعلام. ويقول نبيل دجاني، أستاذ الدراسات الإعلامية في قسم العلوم الاجتماعية والسلوكية في الجامعة الأمريكية في بيروت، أن وسائل الإعلام اللبنانية، التي تتمتع في كثير من الأحيان بوصفها الأكثر حرية في المنطقة، فشلت في الواقع في المساهمة في التنمية الوطنية. مضيفا أن ليس هناك مؤسسة واحدة من مئات المؤسسات الإعلامية اللبنانية تتحدث عن لبنان ككل.
وبدلا من ذلك، تمثل كل مؤسسة منبرا للفصيل السياسي أو المذهبي، ما يساهم في تعزيز الانقسامات في المجتمع. من جهته يقول البروفسور طوني عطا الله، عميد المعهد العالي للدكتوراه في الحقوق والعلوم السياسية والإدارية والاقتصادية أن الأخلاق المهنية مرتبطة بالقيم التي يعتنقها الإعلامي بملء حريته ودون أي إملاء أو فرض.
وتتضمن مجموعة الممارسات والأفكار التي يبني عليها الإعلامي علاقاته مع الآخرين. وليست الأخلاقيات محصورة بمهنة الإعلام، بل لكل فرد أو مهنة أو مجتمع أخلاقيات تشكل إطارا مرجعيا ومعاشا. ويقول عبد الهادي محفوظ – رئيس المجلس الوطني للإعلام المرئي والمسموع، في دراسة بعنوان: ”واقع الإعلام المرئي والمسموع واقتراحات تطويره” أن لبنان أقدر من أي بلد عربي آخر على ان يكون العاصمة الإعلامية للعالم العربي وجسراً لمد وتزويد الغرب بالمواد الإعلامية عبر إقامة المدينة الإعلامية التي يمكن ان تكون مصدرا فعليا لايجاد فرص عمل كبيرة لإعلاميين ومصورين وكتّاب ومخرجين ولخدمات إعلامية متنوعة. فلبنان يملك الخبرات والكادرات والطبيعة والمناخ المساعد. ولكن كيف يمكن للبنان أن يمضي قدما في هذا المجال في وقت تحولت فيه معظم مؤسساته الإعلامية إلى منصات للتحريض والسبق الصحافي ونقل أخبار كاذبة ومواد ترويجية، سياسية واجتماعية، في ظل غياب شبه تام للقوانين المنظمة للإعلام ودور المشاهد في الرقابة الذاتية والفعالة؟
تراجع المعايير المهنية
في الأعوام القليلة الماضية، ارتفعت نسبة التجاوزات الإعلامية بفعل عوامل عديدة أبرزها تحول المؤسسات الإعلامية لمنابر سياسية وحزبية بفعل الأوضاع التي يعيشها لبنان، ما أضعف فرض القانون عقوبات على هذه التجاوزات. كما أدى إنعدام قدرة المؤسسات الإعلامية على التمويل الذاتي إلى إعتمادها على تمويل دولي وسياسي يفرض من خلاله أجندات مسيسة. ويقول نبيل دجاني في هذا السياق أن حرية وسائل الإعلام في لبنان، مقيدة أيضا، كما هو الحال في دول عربية أخرى، ولكن الفرق هو أن هذه القيود لها أصولها في الهياكل الطائفية والمالية في لبنان وليس في الحكومة، أي أنها مؤسسات إعلامية لبنانية خالية نسبيا من تدخل الحكومة لأن لبنان ليست لديه حكومة حقيقية، بل ائتلاف للرؤساء والطوائف الممولة لهذه المؤسسات. وقوة ونفوذ الزعماء عادة ما يكون لها تأثير أكبر من المؤسسات الحكومية. ويعتبر السباق على السوق الإعلاني، الذي يتطلب نسبة مشاهدة عالية تجذب الشركات، عاملا آخر لتدني مستوى المحتوى الإعلامي. ويرى عبد الهادي محفوظ أن هناك أعباء مالية كبيرة تقع على عاتق المؤسسات الإعلامية المرئية والمسموعة اللبنانية الأرضية والفضائية ولا بد من تخفيفها خصوصاً ان السوق الإعلامي لم يعد يكفي لتغطية قناة واحدة. كما ان من الضروري الغاء عقوبة اقفال المحطات أو وقفها واستبدال ذلك بالغرامة المالية.
إلى ذلك، فقد شهدت الأعوام الماضية صعود برامج الفضائح أو التي تسلط الضوء على مواضيع ساخنة ومشاكل اجتماعية مثيرة للجدل «للنشر، وحش الشاشة، حكي جالس، أحمر بالخط العريض، إلخ» ولكن مع رواج هذه البرامج، تدنت المعايير الإعلامية، والمصداقية، بحيث أصبح هدف المؤسسات الأول البحث عن فضائح تغطي حلقاتها الإسبوعية، خاصة أنه، في كثير من الأحيان، لا تتم متابعة ومراجعة هذه القضايا بعد بث الحلقة.
كما يعد السباق على نشر وبث مشاهد العنف والدم مباشرة على الهواء واحدا من أهم سمات تدني المعايير المهنية للإعلام بشكل عام. ويقول البروفيسور طوني عطا الله، أنه خلال تفجيرات لندن في 7 تموز/يوليو 2005، لم يشاهد أحد على شاشات التلفزيون البريطاني نقطة دم واحدة، وهذا التعامل مكرّس كإحدى العادات الإعلامية الثابتة في المملكة المتحدة لمراعاته الذوق العام. أما في لبنان، فلم يحدث قطعا أن حصل نقاش بين مؤسسات المرئي والمسموع حول التغطيات الحية ومشاهد العنف وكرامة الشخصية الإنسانية وكيفية تصرف الصحافيين في هذا النوع من العمل الإعلامي إزاء ردات الفعل الفورية وتأثيرها على الرأي العام.
بعض الحلول:
تتمثل أبرز الحلول والمقترحات للوصول إلى إعلام مهني وأخلاقي في إصلاح قوانين الإعلام والبث الفضائي بما يكفل حرية التعبير ويعزز المساءلة ويسمح بانضمام أصوات غير مسيسة إلى هذا القطاع. إضافة إلى ذلك، يعتبر دور المشاهد في التفاعل مع المحتوى الإعلامي مهما جدا، بحيث يمكن أن يقوم بمحاسبة المسؤولين عن التجاوزات. كما أن هناك ضرورة لتنظيم ملكية وسائل الإعلام وشفافية إدارتها وعملها وتمويلها وتنظيم النتائج المترتبة على النشاط الإعلامي بكافة الوسائل، لاسيما حق الرد، جرائم الإعلام والمسؤوليات الجزائية والمدنية وأصول المحاكمات الخاصة. (بحسب الإقتراحات التي شملها اقتراح القانون الحالي – احكام جديدة: غسان مخيبر). كما تتمثل الاقتراحات الأخرى الالتزام بالدقة في نقل الخبر ومصداقيته، الامتناع عن التشهير والتجريح، احترام الطابع التعددي للأخبار، الالتزام بالبحث عن الحقائق وإعلام الرأي العام، ورفض أي إغراءات تخل بأخلاقيات المهنة.
وبحسب عطا الله، هناك ضرورة للقيام بخطوات تعزز دور الإعلام المهني، من ضمنها – تعديل قانون المطبوعات، وتطوير التشريعات المتعلقة بالمنظمات المهنية والنقابية للإعــلاميين، وإستحداث هيئات وغرف قضائية متخصصة بالقضايا الإعلامية تضم قضاة وخبراء متخصصين في شؤون المهنة على الصعد الإعلامية والإدارية والمالية والتقنية.
ريما شري