يغرق العرب والمسلمون في مستنقع من الوهم، كلما شهدت الولايات المتحدة انتخابات رئاسية، فقبل ثماني سنوات كان الكثير من أبناء منطقتنا العربية ووسائل إعلامهم يتعمدون القول بأن باراك حسين أوباما هو الذي فاز بالانتخابات، وليس باراك أوباما، حتى اقتنعوا بعد ذلك بوقت طويل نسبياً بأن حسين لم ولن يُغير من سياسات أوباما شيئاً، وأن الولايات المتحدة هي ذاتها، وأن كلاً من باراك الابن وحسين الأب لم يغيرا فيها شيئاً.
يتكرر المشهد هذه المرة عند انتخاب دونالد ترامب، وينظر اليه كثير من العرب والمسلمين من ثقب تصريحٍ أدلى به في لحظة مراهقة سياسية عندما طالب بطرد المسلمين من أمريكا، وهو التصريح الذي حذفه الرجل من موقعه الإلكتروني في اليوم التالي لانتخابه رئيساً، لأنه وحملته يعلمون بأن المسلمين جزء أساسي من نسيج المجتمع الأمريكي، وأنه لا الرئيس ولا إدارته ولا الكونغرس يستطيعون اتخاذ قرار بمنع المسلمين من دخول الولايات المتحدة وهم موجودون فيها أصلاً، بل في الوقت الذي فاز فيه ترامب رئيساً دخل الحجاب الإسلامي لأول مرة في التاريخ الأمريكي إلى الكونغرس وبات من بين الأعضاء امرأة محجبة لأول مرة.
حالة التشاؤم العربي من فوز ترامب مبالغ بها، فلا هيلاري كلينتون كانت ستبني مسجداً وتتولى إمامته لو فازت بالانتخابات، ولا الإدارات الأمريكية السابقة – بما فيها أوباما- كانت صديقة للعرب والمسلمين ومناصرة لقضاياهم، كما أن ترامب على علاته لن يكون أسوأ من جورج بوش الأب والابن اللذين تناوبا على تدمير العراق من أجل إطفاء بقعة الضوء الوحيدة في نفق هذه الأمة المظلم، ما يعني في النهاية أننا أمام امتداد للسياسات الخارجية الأمريكية السابقة، التي تقوم على الدعم اللامحدود لإسرائيل، وعدم الاكتراث بعملية السلام في المنطقة، وتدمير العراق، وترك سوريا تغرق في الدم، والوقوف موقف المتفرج من ليبيا واليمن.
الولايات المتحدة ليست مشيخة ولا دولة عابرة أو طارئة على هذا العالم، وإنما هي امبراطورية كبرى تديرها مؤسسات عميقة قائمة منذ مئات السنين، ورغم أن الرئيس – كمنصب- في الولايات المتحدة هو الأقوى كون النظام السياسي «رئاسيا» إلا أن هذا لا يعني مطلقاً أن البلاد يحكمها فرد واحد بحكم مطلق، فالحزب الجديد الذي يتولى السلطة في الولايات المتحدة يأتي ومعه 40 ألف موظف فيدرالي جميعهم يعملون مساعدين مختصين للرئيس، بما يعني في النهاية أن الرئيس يكون جزءاً من «ماكينة» عملاقة تنتهي إلى السياسات الداخلية والخارجية في البلاد، ومن هنا فإن الكلام الذي يطلقه المرشح في إطار دعايته الانتخابية لا يتحول بالضرورة إلى حقيقة على الأرض عندما يُصبح رئيساً.
ليس المهم فوز ترامب إذن، ولا سياساته الخارجية الجديدة، لأن التغيير في هذه السياسات وإن حدث فإنه سيكونُ محدوداً، لكنَّ أهم ما في الظاهرة هو أنها تعبير عن تغير في المزاج الأمريكي العام، وهو التغيير نفسه الذي لمسناه عندما قرر أغلب الناخبين في بريطانيا أن يؤيدوا الخروج من الاتحاد الأوروبي وينحازوا إلى اليمين المتطرف في البلاد، إذ في كلا الحالتين ثمة «ثورة اجتماعية» وتغير مجتمعي جذري، وجنوح نحو التطرف والعزلة والانغلاق، وهذا هو أخطر ما يشهده العالم اليوم، وهذا ما يجب أن يكون مصدر القلق بالنسبة للعرب والمسلمين وغيرهم من شعوب وأمم الكون.
ترامب فاز على قاعدة العداء للمهاجرين، وتشديد إغلاق الحدود والتشدد في منح التأشيرات، وهذا يعني أن المواطن الأمريكي أصبح يميل للعزلة وليس الانفتاح، على الرغم من أن الدولة الأمريكية قامت على أساس التعدد والانفتاح وقبول الآخر.
خلاصة القول هو أنَّ السياسات الأمريكية تجاه القضايا العربية لن تشهد على الأغلب أيَّ تغيير ملموس خلال فترة حكم ترامب، كما أنَّ الدعم الأمريكي لإسرائيل والانحياز ضد الفلسطينيين لن يتغير، فضلاً عن أن الموقف الأمريكي من سوريا وليبيا واليمن والعراق لن يتزحزح هو الآخر، إذ ليس لدى الإدارة الأمريكية الجديدة أسوأ مما كان لدى سابقاتها، لكن ما يدفع للقلق حقاً هو التحول الذي يشهده العالم الغربي من جنوح نحو اليمين والعزلة والانغلاق.
كاتب فلسطيني
محمد عايش