حرّك فوز دونالد ترامب بمنصب الرئيس الخامس والأربعين للولايات المتحدة الأمريكية موجة ردود فعل سياسية كبيرة تواترت أصداؤها ومشاهدها المعبّرة في العالم ولكنّ أكثر المخاوف قوّة كانت في ضمن القوى المؤثرة في العالم العربيّ والمتوكّلة بشؤونه أو المعنيّة بقضاياه.
كان لافتاً أن مجلس النوّاب الروسي استقبل انتخاب ترامب بالتصفيق وتبع ذلك ترحيب الرئيس فلاديمير بوتين لترامب بفوزه وإعلانه استعداد بلاده لاستعادة العلاقات كاملة مع أمريكا، وهو حديث يشير إلى قضايا اشتباك بين الطرفين تتعلّق بسوريا وأوكرانيا وتمدد الحلف الأطلسي في أوروبا الشرقية والعقوبات الاقتصادية الأمريكية والأوروبية على موسكو.
لكن أعلى الرسائل صوتاً وأسرعها إعلاناً تمثّل باتصال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بترامب وتأكيده أنه «صديق حقيقي لإسرائيل» وأن ترامب دعاه لزيارته في واشنطن، أما وزير التعليم الإسرائيلي نفتالي بينيت فاعتبر أنه بفوز ترامب «انتهى عهد الدولة الفلسطينية»، وإذا نفّذ ترامب وعده الانتخابي لإسرائيل بنقل سفارة واشنطن للقدس فسيكون ذلك نذيرا بتصعيد سياسيّ ضد الفلسطينيين والعرب والمسلمين لم تجرؤ على فعله أي حكومة أمريكية سابقة.
جدير بالانتباه أيضا أن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي كان أول زعيم عربي يتّصل مهنئاً ترامب الذي كان قد التقاه خلال مشاركته في افتتاح الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك في ايلول (سبتمبر) الماضي، والواضح أن خلفيّة التهنئة السريعة تتعلّق بفكرة وجود تقارب غريب بين أجندة النظام المصري مما يسمى «مكافحة الإرهاب» وآراء ترامب حول المسلمين وعلاقتهم العضوية بالإرهاب!
على الصعيد السوريّ جاء انتخاب ترامب ليزيد من معاناة المعارضة السياسية والعسكرية التي تعرّضت للتآكل والضغوط من كل الجهات نتيجة مواقف إدارة باراك أوباما التي لجمت الدعم العربي والتركي لها واستدعت عمليّاً التدخل الروسي وتغاضت عن دخول إيران والميليشيات اللبنانية والعراقية الشيعية التابعة لها في الحرب لدعم نظام بشار الأسد.
ترامب كان صريحاً في أكثر من مرة حول رغبته بتسليم سوريا لبوتين والتعاون مع بشار الأسد وهذا أمر أشبه بورقة يانصيب جديدة يربحها النظام السوري المنشغل على مدى السنوات الماضية بتقتيل وتهجير شعبه.
إحدى النقاط المثيرة للجدل أيضاً في أطروحات ترامب الانتخابية كانت موقفه من دول الخليج العربية وأقواله في ما معناه إن أمريكا لن تحمي هؤلاء الحلفاء مجانا وأن عليهم أن يدفعوا ثمن حمايتهم، وهو أمر اقرب للابتزاز من جهة، ويخفض الولايات المتحدة الأمريكية من مرتبة القوة العظمى إلى حالة القوة المأجورة التي تتعامل مع العالم على مبدأ «تدفيع الثمن»، ولعلّ ترديد هذه المقولة نحو حلفائه الآخرين في حلف شمال الأطلسي يمكن أن يقدم بعض العزاء للعرب ولكنّه ينبههم إلى الطريقة الحقيقية التي ينظر ترامب فيها إليهم: ضعفاء بحاجة لمن يحميهم مقابل جعالة مادية!
ولعلّ قائلا يقول إن ترامب الرئيس سيكون مختلفاً بالتأكيد عن ترامب المرشح الذي يريد أن يحصد الأصوات، وأن أمريكا هي دولة مؤسسات، وهذان أمران منطقيان لكنّ ترامب، شخصية مشهود لها بالسلطوية وهو على عكس أوباما، حيث ان حزبه يتمتع بغالبية في الكونغرس، وإذا أضفنا إلى ذلك أن المحكمة الدستورية العليا ستكون تحت تأثيره فإن قطع المسافة بين شعاراته وتحقيقها لن يكون أمراً صعبا، ولذلك فإن تحقق بعض مخاوف العرب والمسلمين سيكون، للأسف، ممكنا.
رأي القدس