دبي/واشنطن/لندن – رويترز: قبل يوم من إعلان الرئيس دونالد ترامب انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الإيراني، اتصل أحد كبار المسؤولين في إدارته هاتفيا بالسعودية، ليطلب من أكبر مُصَدِّر للنفط الخام في العالم المساعدة في إبقاء الأسعار مستقرة، إذا تسبب القرار في عرقلة للإمدادات.
والرياض منافس لدود لطهران وحليف وثيق لواشنطن منذ أمد بعيد، لكن الضغط المباشر على عدد من دول منظمة البلدان المصدرة للبترول «أوبك» بشأن سياسات النفط قلما يحدث. والمرة السابقة التي حثت فيها واشنطن السعودية على زيادة الإنتاج كانت في 2012.
حاليا تقول الرياض أنه على الرغم من أن أسعار النفط قفزت فوق 80 دولارا للبرميل، وهو أعلى مستوى منذ 2014، فإن السوق لم تتعاف بعد من هبوط طويل. وقبل الاتصال الهاتفي كان مسؤولون سعوديون يقولون إن من المبكر جدا زيادة الإنتاج.
وقالت مصادر في صناعة النفط السعودية ان الرياض اتخذت هذا النهج لأن أسعار الخام المرتفعة قد تساعد الطرح المُزمع لحصة في «أرامكو السعودية»، أكبر شركة نفط في العالم، في سوق الأسهم والذي من المتوقع أن يحدث في 2019 .
ولذلك كانت هناك صدمة بين بعض أقران السعودية في «أوبك» عندما أصدرت المملكة بيانا داعما بعد أن فرضت واشنطن عقوبات جديدة على طهران. وقالت المملكة أنها مستعدة لزيادة الإنتاج للتعويض عن أي نقص في المعروض.
وقالت ثلاثة مصادر على دراية بالأمر ان مسؤولا بارزا في الإدارة الأمريكية اتصل بولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، قبل الإعلان الذي أدلى به ترامب للتأكد من أن واشنطن يمكنها التعويل على الرياض، القائد الفعلي لـ«أوبك» لضمان استقرار الإمدادات النفطية.
وقال أحد المصادر ان الاتصال حدث في السابع من مايو/أيار. ولم يذكر المصدران الآخران متى جرى الاتصال. وقالت المصادر الثلاثة ان واشنطن قلقة من أن العقوبات قد تكبح شحنات النفط من إيران وتدفع الأسعار للصعود.
وامتنع متحدث باسم البيت الأبيض عن التعقيب بشأن ما إذا كان الاتصال الهاتفي قد حدث.
ولم يؤكد مسؤول سعودي بارز الاتصال لكنه، قال «جرى إبلاغنا بالقرار بشأن خطة العمل الشاملة المشتركة (الاتفاق النووي الإيراني) قبل صدور الإعلان… نحن نجري دائما محادثات مع الولايات المتحدة حول استقرار سوق النفط».
وهدد البيان السعودي الداعم لفرض قيود على صادرات النفط الإيراني بتقويض اتفاق بين «أوبك» وحلفائها، وفي مقدمتهم روسيا، لخفض إنتاج النفط بحوالي 1.8 مليون برميل يوميا بدءا من يناير/كانون الثاني 2017، لتقليص وفرة في المعروض ودعم الأسعار. ومن المنتظر أن ينقضي الاتفاق في نهاية 2018 .
وقال مصدر آخر ان بعض الدول الخليجية «منزعجة من أنه لم يكن هناك تشاور مسبق معهم». وأضاف أنهم يشعرون بأن الرياض تعرضت لضغوط من واشنطن، وأنه لم يتم التشاور معهم قبل تعليقات علنية أدلى بها وزير الطاقة السعودي خالد الفالح، عندما قال في منتدى اقتصادي روسي في سان بطرسبرغ الشهر الماضي ان المملكة مستعدة لتخفيف تدريجي للقيود على إنتاج النفط لتهدئة مخاوف المستهلكين.
وقال مصدر ثالث في «أوبك» إن زيادة في الإنتاج لمجرد أن واشنطن طلبتها ستتعارض مع ميثاق أوبك. وأضاف قائلا «بالنسبة لبعض أعضاء أوبك، هذا كثير جدا».
وأثار هذا التحول أيضا غضبا بين بعض المنتجين خارج منطقة الخليج، وخاصة إيران، ثالث أكبر منتج في منظمة البلدان المصدرة للبترول بعد السعودية والعراق.
فقد قالت إيران أمس الجمعة ان طلب أمريكا بأن تضخ السعودية مزيدا من النفط لتغطية أي نقص في الصادرات الإيرانية «جنوني ومذهل»، وأضافت أن «أوبك» لن تقبل الطلب، ممهدة لاجتماع صعب عندما تلتقي المنظمة في وقت لاحق هذا الشهر.
ولدى إيران، المنافس اللدود للسعودية، تاريخ من إثارة التحديات في اجتماعات «أوبك». ففي 2015 رفضت طهران اعتماد سياسات المنظمة، قائلة أنها بحاجة لزيادة الإنتاج بسبب تخفيف العقوبات بعد الاتفاق النووي مع القوى العالمية.
وقال حسين كاظم بور أردبيلي، محافظ إيران في المنظمة «إنه أمر جنوني ومذهل أن نرى تعليمات تصدر من واشنطن للسعودية من أجل التحرك وتعويض أي نقص في صادرات إيران نتيجة للعقوبات غير القانونية على إيران وفنزويلا.»
وفي الجولة السابقة من العقوبات بحق طهران، والتي شارك فيها الاتحاد الأوروبي، انخفضت صادرات النفط الإيرانية أكثر من النصف إلى أقل من مليون برميل يوميا.
ولا يعتزم الاتحاد الأوروبي المشاركة في العقوبات هذه المرة ودعا الولايات المتحدة لمنح شركاته إعفاء حتى يمكنها مواصلة العمل في إيران. لكن الكثير من الشركات الأوروبية تقطع علاقاتها مع طهران بسبب المخاوف من أن تواجه عقوبات ثانوية من الولايات المتحدة، مما يعني أن تخسر القدرة على الوصول إلى نظام تسوية معاملات الدولار الأمريكي.
وستدخل العقوبات الأمريكية على قطاع البترول الإيراني حيز التنفيذ بعد فترة «إنهاء تدريجي للنشاط» تمتد 180 يوما وتنتهي في الرابع من نوفمبر/تشرين الثاني، لكن الكثير من شركات التكرير الأوروبية تقلص تدريجيا بالفعل مشترياتها من النفط الإيراني.
وفي الاسبوع الماضي دعت إيران «أوبك» لبحث ما تصفه بالعقوبات «غير القانونية» في الاجتماع القادم للمنظمة في 22 يونيو/حزيران والذي من المقرر أن يناقش سياسات الإنتاج.
وتوقع كاظم بور ألا تمتثل المنظمة إلى الطلب الأمريكي قائلا إن أسعار النفط ستقفز ردا على عقوبات واشنطن بحق إيران وفنزويلا كما حدث خلال جولة العقوبات السابقة ضد بلاده.
وقال «لا أحد في أوبك سيتحرك ضد إثنين من الأعضاء المؤسسين.. حاولت الولايات المتحدة ذلك المرة الماضية ضد إيران لكن أسعار النفط وصلت إلى 140 دولارا للبرميل.» وقال أيضا ان المنظمة ستقف صفا واحدا في وجه الطلب الأمريكي. وأضاف «لن تقبل أوبك بمثل تلك الإهانة. من الصلف والجهل أن يستهين المرء بستين عاما من التعاون بين متنافسين.» وتابع القول «علينا أن نتعايش معا – لا نستطيع تغيير الجغرافيا لكن يتوجب علينا بناء تاريخ أفضل».
يذكر أنه منذ أن رفعت العقوبات الدولية الأصلية في يناير/كانون الثاني 2016، واجهت إيران صعوبة في زيادة إنتاجها النفطي فوق أربعة ملايين برميل يوميا. ويرجع هذا إلى نقص في المشاريع الجديدة.
كما يشار إلى ان اعتماد الولايات المتحدة على واردات الخام السعودي قد تراجع في الأعوام القليلة الماضية، فيما يرجع بين أسباب أخرى إلى ارتفاع إنتاج النفط الصخري المحلي، لكن السعودية تبقى مُصدرا مهما للإمدادات إلى أمريكا.
ووفقا لأرقام من إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، استوردت الولايات المتحدة 748 ألف برميل يوميا من السعودية في مارس/آذار 2018 بعد أن كانت وصل إلى ذروة في حقبة ما بعد عقد السبعينات عند أكثر من مليوني برميل يوميا في 2003 .