لقاء ترامب مع كيم هو بالطبع مجرد خطوة أولى في الطريق إلى النزع التام لقدرات كوريا الشمالية النووية. فنجاح العملية منوط بنتائجها، ولكن كل المشككين بقدرات ترامب يبدون الآن أكثر حذراً. يبدو أن السياسة ـ التي تدمج التصميم والقوة، الاستعداد لاستخدام القوة والايمان بقدرة الولايات المتحدة على تحقيق أهدافها بفضل مكانتها كقوة عظمى عليا وحيدة ـ تفوز بالانجازات.
إن الزعماء والخبراء في نظر أنفسهم للاستراتيجية والعلاقات الدولية والذين أدت سياسة المصالحة عديمة الثقة الذاتية التي انتهجوها إلى قصورات وإخفاقات، يواصلون عرض موقف نقدي تجاه سياسة ترامب. ومع ذلك، تسترق إلى عقولهم إمكانية أن يكونوا أخطأوا على مدى كل الطريق. فهم يقفون على شفا أزمة معرفية، من جهة يخافون من معانيها تجاههم، وبالمقابل يرغبون في أن يروا تحققها.
لا شك أن ترامب لن يكتفي حيال ترامب بتسوية مشابهة للاتفاق النووي مع إيران، والذي أبقى في أيديها قدرة على إنتاج مخزون من السلاح النووي من دون إمكانية منع ذلك. وإذا أصر كيم على أن تبقي في يديه قدرة كهذه، فستشدد الولايات المتحدة الضغط. والعقوبات الحالية ستبقى على حالها طالما لم يثبت كيم بأنه بالفعل تخلى عن قدراته النووية. أما من ناحية اسرائيل، فالامر الهام هو أن إنجاز ترامب حيال كوريا الشمالية يبرر الخطوات الأمريكية حيال إيران والفلسطينيين.
الإيرانيون هم أول من سيعانون من السياسة الأمريكية الجديدة. فخروج كيم من صف الجوقة التي تنشد «الموت لأمريكا» يضعف صمود إيران أمام الضغوط الأمريكية. معقول أن يطلب الأمريكيون من الكوريين الشماليين ان يكفوا عن التعاون مع إيران في مجالات الصواريخ والسلاح غير التقليدي (على اسرائيل أن تتأكد من أن هذا الطلب يوجد في مكان عال في قائمة الشروط الأمريكية لرفع العقوبات). كل هذا حين تكون العقوبات الأمريكية، التي ستعود، تتسبب منذ الآن لدول مختلفة، بما فيها في اوروبا، ان تتراجع عن الصفقات مع إيران.
إن الدعوات اليائسة من جانب زعماء إيران لكيم ألا يصدق ترامب تؤكد فقط انعدام حيلتهم. فقد سبق لترامب أن أوضح بأنهم في نهاية المطاف سيضطرون إلى ابتلاع كأس السم والعودة إلى المفاوضات.
فالقيادة الأوروبية تتبين كما هو متوقع كسند متهالك بالنسبة لطهران، لانه ليس بوسعها أن تمنع الخروج العاجل للشركات الاوروبية الكبرى. روسيا هي الاخرى تعرض كتفا باردة، والصين لن تسارع إلى الصدام مع الولايات المتحدة من أجل إيران.
على هذه الخلفية، فإن الاضطراب في الساحة الداخلية في إيران قد يزداد، ومعه النقد على السياسة الفاشلة التي قامت على اساس الاعتقاد بأن الضعف الغربي سيستمر وسيزداد. وأدى هذا الاعتقاد إلى نفقات كبرى في تحقيق تطلعات التوسع الاقليمي، بحجم لا يناسب مقدرات إيران. ولا سيما عندما تتجند الولايات المتحدة واسرائيل، إلى جانب الدول العربية السنّية البراغماتية لصد رؤيا الجمهورية الإسلامية.
الفلسطينيون هم الآخرون يتابعون بقلق هذه التطورات. فنجاح سياسة القوة تجاه كوريا الشمالية وإيران تذكر بأنهم هم أيضاً هدف لهذه السياسة. فالاعتراف بالقدس كعاصمة اسرائيل ونقل السفارة، والتقدم في التشريع الأمريكي والاسرائيلي الذي سيقتطع نحو 2 مليار شيكل من المداخيل الفلسطينية (نحو 12 في المئة من الميزانية الفلسطينية)، طالما استمرت السلطة في دفع الرواتب للمخربين، ودعم واشنطن لسياسة استخدام القوة الاسرائيلية تجاه «مسيرة العودة» العنيفة في غزة ـ هي تعابير عن هذه السياسة.
إن النزال بين عريقات ومستشاري ترامب من على صفحات «هآرتس» يعكس الاحباط الفلسطيني من انه لم يعد ممكنا التوقع من الولايات المتحدة ابداء التسامح تجاه الرواية الفلسطينية، التي تبرر الكفاح بكل الوسائل ضد الصهيونية. مثل الإيرانيين، لا يزال الفلسطينيون أيضاً يحاولون الصراع ضد الواقع الجديد، ولكن عندما يتبين انه ينقصهم 2 مليار شيكل في الميزانية، من شأنهم ان يعمدوا ليس فقط إلى تخفيض مستوى الفساد بل وأيضاً إلى مراجعة أكثر جدية للمسار الذي اختاره كيم ـ تغيير الرواية.
اسرائيل اليوم 19/6/2018