ترامب ـ كيم مفارقات القمة التاريخية

منذ الحرب الكورية مطلع خمسينيات القرن العشرين حتى الآن وشبه الجزيرة الكورية منطقة توتر وصراع وساحة من أهم ساحات الحرب الباردة طوال تاريخها، وعلى جانبي خط الحدود الذي قسم شبه الجزيرة إلى نصف شمالي بحكومة شيوعية لم يبق اليوم من حلفائها القدامى سوى بكين، ونصف جنوبي بحكومة رأسمالية أوجدها الدعم الأمريكي لتمثل نموذجا اقتصاده رأسمالي ونظام ليبرالي يحتذى في جنوب شرق آسيا.
حكمت بيونغيانغ منذ انفصالها عن الجنوب عائلة واحدة مكونة من الجد المؤسس والأب المرسخ والحفيد الذي ربما ستزول دولة الشمال في عهد انفتاحه على الجنوب، كيم جونغ أون، ابن الرئيس السابق كيم جونغ إيل وحفيد الرئيس الأسبق كيم إيل سونغ، عائلة واحدة تحكم منذ 70 عاما بأيديولوجيا ماركسية وتسدل ستارا حديديا على النصف الشمالي من شبه الجزيرة. كثيرا ما وصلت الأزمات بين كوريا الشمالية والولايات المتحدة وحلفائها إلى حافة الحرب، فبعد ان دخلت كوريا الشمالية النادي النووي وسعت إلى تطوير ترسانتها الصاروخية البالستية والعالم قلق من ان يقدم الرئيس الشاب في إحدى شطحاته على الضغط على زر إشعال الحرب التي هدد بها الولايات المتحدة قبل عام، فرد عليه الرئيس الأغرب في تاريخ الولايات المتحدة، دونالد ترامب، في أغرب تصريح؛ «انا أمتلك زرا نوويا أكبر من الموجود على مكتبك»!.

أهداف الطرفين

أهداف استراتيجية واضحة لدى كل طرف من طرفي قمة سنغافورة التاريخية، يقول البروفيسور لي يونغ سون من كلية الحقوق والدبلوماسية في جامعة تافتس: «إن كيم يسعى لتخفيف العقوبات، وإجهاض الجهود العسكرية الأمريكية، وخلق حالة يعترف فيها العالم بشرعية كوريا الشمالية كدولة نووية». بينما كان الهدف الأمريكي واضحا وهو أن تسفر هذه القمة عن بدء عملية نزع السلاح النووي من شبه الجزيرة الكورية وتفكيك برنامج الصواريخ البالستية وفرض نمط من الانفتاح على الدولة المغلقة وبداية التعاون مع الجارة الجنوبية، مما يعني إدخال تغييرات جوهرية على النظام السياسي والاقتصادي في البلد والسماح بانعكاس هذه التغييرات على الحياة الاجتماعية في كوريا الشمالية.
تركزت أعمال القمة التاريخية على قضايا نزع الأسلحة النووية وتخفيف التوترات. لكن يمكن اعتبار لقاء سنغافورة بين الرئيسين لقاء تمهيديا شهد توقيع اتفاقية بين البلدين تضمنت الإشارة إلى انهما سيتعاونان في بناء «علاقات جديدة» وستقدم الولايات المتحدة لكوريا الشمالية «ضمانات أمنية» وبشأن الأسلحة النووية، أعاد كيم «تأكيد التزامه الثابت بإكمال إخلاء شبه الجزيرة الكورية من الأسلحة النووية». وقال مراقبون إن الوثيقة الموقعة تفتقر إلى التفاصيل بشأن كيفية إنجاز عملية نزع الأسلحة النووية على وجه الخصوص. بيد أن ترامب قال للصحافيين لاحقا؛ «إن الولايات المتحدة علقت ألعاب الحرب الاستفزازية التي تقوم بها إلى جانب كوريا الجنوبية» وأضاف «أريد رؤية انسحاب القوات الأمريكية من الجنوب». ووصف محللون ذلك بأنه تنازل رئيسي من جانب ترامب.

لحظة المصافحة ترقب
وبرتوكول قد يكسر

ذكر المراقبون والمحللون مجموعة من النقاط التي مثلت أهم المفارقات في القمة التاريخية التي انصبت على كل تفصيل مهما كان صغيرا، بدءا من ان الرئيسين بتسريحتي شعرهما الغريبة هما أول رئيسين أمريكي وكوري شمالي يلتقيان، ترامب السبعيني وكيم الثلاثيني. الرئيسان غريبا الأطوار بمزاجهما الذي كاد يلغي القمة على إثر تصريح ترامب ثم تراجعه وقبوله الحضور بعد ذلك.
الدخول إلى القاعة كان مرتقبا، لان البرتوكول الدبلوماسي يرسم صورة محددة لذلك، وهي ان الرئيس الأهم سيدخل اولا ليدخل بعده الرئيس الأقل أهمية، لكن من رتب اللقاء حل هذه النقطة بدخول القاعة من مدخلين ليلتقي الرئيسان في الوسط ويتبادلا المصافحة التاريخية. وقال الرئيس ترامب خلال تعليقاته الأولية أمام الصحافيين «أتوقع علاقة رائعة مع كيم». وأضاف «لدي شعور رائع وسنجري محادثات رائعة وستكون ناجحة بشكل لا مثيل له». وبدت علامات الارتياح على الرئيسين ترامب وكيم خلال اللقاء الذي جمعهما. وشدد كيم على أن «الطريق إلى هنا لم يكن سهلا» مشيرا إلى أن الممارسات السابقة مثلت عائقا أمام التحرك قدما.

الاستعراض الإعلامي

فى تحليل للكاتب الألماني ستيفان كوزمانى، في مجلة «شبيغل» الألمانية نقرأ؛ «قمة ممتازة! يوم تاريخي! تقارب العلاقات بين ترامب وكيم! لا مزيد من الأسلحة النووية في كوريا الشمالية! هل يمكن أن يكون هذا الأمر حقيقيا؟». ويكمل كوزماني قراءته مشيرا إلى أن قمة ترامب وكيم، ما هي إلا استعراض إعلامي، ولن تكون هناك نتائج ملموسة على الأرض، فالرئيس الأمريكي معروف بعدم التزامه بالمعاهدات الدولية، وديكتاتور كوريا الشمالية لا يهمه سوى اعتراف العالم به رسميا. ويختم تحليله بالقول؛ «مع لاعبين أبديا اهتماما لجذب الانتباه، وهما كيم، الذي يريد امتداد سلطته الديكتاتورية، وترامب، الذي يريد تزيين نفسه بنجاح كبير في السياسة الخارجية، نتوقع كل شيء، فقد حصل كلاهما على أكثر ما يريدانه في الدقائق الأولى من اجتماع القمة، فكانت الصور جميلة ومدهشة للعالم».
من شروط الاستعراض الإعلامي التأكيد على كل تفصيل حتى التفاصيل الصغيرة مثل قائمة الطعام وأجنحة الفندق في منتجع وجزيرة سينتوسا الساحرة في سنغافورة التي سيختارها الرئيسان. والبداية كانت مع خبراء لغة الجسد، وحسب المسؤول في مؤسسة «إنفلونس سولوشن» وهي شركة لتقديم الاستشارات والتدريب في سنغافورة، فإن مصافحة الزعيمين كانت ذات طابع «ندي» فعادة ما يطيل ترامب مصافحة الزعماء الأجانب كما يجذب أيديهم صوبه في بعض الأحيان للدلالة على إبداء السيطرة، لكنه لم يفعل ذلك أثناء لقائه كيم، إذ تصرف الزعيمان على نحو متحفظ.
وحسب صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية، لفت خبراء لغة الجسد إلى أن ترامب لمس كيم في ذراعه وظهره، عندما التقى به للمرة الأولى، أمام عدسات الصحافيين، بينما كان كيم أكثر تحفظا منه. وأكدت خبيرة لغة الجسد باتي وود، أن هذه اللمسات الصغيرة وغير المتوقعة من ترامب أظهرت قوته، فيما أشارت إلى أن اللمس يرمز إلى الدفء، وتذويب المسافات، فذكرت أن «اللمسات الإضافية من ترامب لكيم جونغ أون تشير إلى رغبته في السيطرة على الاجتماع والهيمنة عليه منذ البداية».
لكن في المقابل، برر كيم هيونغ-هي، مدير مختبر كوريا للغة الجسد، أن تحفظ كيم جونغ أون تجاه ترامب، جاء اتباعا للثقافة الكورية، وهي «عدم لمس شاب لشخص أكبر منه سنا» مرجحا أنه لم يلمس ترامب كعلامة على احترام شخص مسن «عجوز» إذ ان احترام كبار السن يعد أحد القيم الكونفوشيوسية القديمة المتوارثة في ثقافة شبه الجزيرة الكورية.

كيم يصطحب مرحاضه الخاص إلى سنغافورة

ذكرت دوائر سنغافورية مقربة من المسؤولين عن الإعداد للقمة التاريخية حرص الرئيس كيم جونغ أون، على اصطحاب المرحاض الخاص به إلى سنغافورة، استعدادا لملاقاة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. ووفقا لما نشرته صحيفة «دايلي ميل» البريطانية، اصطحب الوفد الكوري سيارة ليموزين مضادة للرصاص وطائرتين مطابقتين لطائرة الرئيس تستخدمان للتمويه، بجانب مرحاضه الفرنسي الرخامي الفاخر رغبة منه في حماية فضلاته التي يسعى لإعادتها معه إلى بلاده. ووفقاً لصحيفة «تشوسون إلبو» الكورية الجنوبية، أن كيم يرفض دائما استخدام أي مرحاض آخر غير مرحاضه الخاص في تناقلاته حتى داخل بلده.
ومن المعروف ان الفضلات يمكن أن تظهر معلومات مهمة عن صحة صاحبها، وتحدد الحالة الصحية للقولون والجهاز الهضمي واختبار بعض الأمراض، ومعرفة الأدوية التي يتناولها، لذلك لا يستغرب القائمون على مؤتمرات بهذه الأهمية مثل هذا الإجراء الذي اتبع سابقا في عدد من رحلات الرؤساء، وعلى سبيل المثال يذكر المختصون قيام جهاز الخدمة السرية الأمريكي بإحضار مرحاض محمولا لاستخدام الرئيس الأمريكي آنذاك، جورج بوش، خلال زيارته للنمسا عام 2006.

ختامها دعوات

كشفت تقارير إخبارية عالمية أن الرئيس الكوري كيم جونغ أون، فاجئ الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، بقرار وصف بالمثير، قبل قمة سنغافورة المرتقبة. فقد ذكرت وكالة «بلومبرغ» الأمريكية إن كيم جونغ أون، جعل يوم الثلاثاء، 12 حزيران/يونيو، موعدا لنهاية قمة سنغافورة مع الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب. ودفع قرار الرئيس الكوري الشمالي، ترامب إلى اتخاذ قرار بتقديم موعد مغادرته إلى الثلاثاء بدلا من الأربعاء.
وحسب صحيفة «تشونان ايلبو» الكورية الجنوبية نقلا عن مصادر مطلعة قد تم توجيه الدعوة الرسمية من الجانب الكوري إلى الرئيس ترامب لزيارة بيونغيانغ في تموز/يوليو المقبل لإجراء جولة مفاوضات جديدة، في المقابل وجه دونالد ترامب الدعوة للرئيس كيم جونغ أون لزيارة واشنطن، حسب ما أفادت «وكالة الأنباء الكورية الشمالية» الرسمية الأربعاء إن الزعيم الكوري الشمالي دعا ترامب لزيارة بيونغيانغ في وقت مناسب، كما دعا الرئيس الأمريكي، كيم جونغ أون لزيارة الولايات المتحدة. ولفتت الوكالة إلى أن الزعيمين «قبلا» بكل سرور دعوة بعضهما البعض.

11HAD

ترامب ـ كيم مفارقات القمة التاريخية

صادق الطائي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية