علمت الضربة الأمريكية لقاعدة عسكرية سورية يوم 6 نيسان (إبريل) تحولا في مواقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من الأزمة السورية. ونظر إلى الصواريخ الـ 59 التي انهمرت على قاعدة الشعيرات الجوية بأنها بداية لتورط أمريكي في سوريا أو ما يطلق عليه البعض «المهمة الزاحفة». فمع أن ترامب أكد طوال حملته الانتخابية العام الماضي أن لا شأن له فيما يجري في الحرب إلا أن معاقبته النظام السوري حملت الكثير من الرسائل وطرحت أسئلة أكثر مما أجابت عليها بل وقد تؤدي لتدهور الوضع على الأرض. واللافت في الأمر أن الانخراط العسكري الأمريكي جاء بعد سلسلة من التصريحات المتضاربة داخل الإدارة بين ترك مسألة تغيير النظام في دمشق للسوريين كما تحدث وزير الخارجية ريكس تيلرسون أو أن الإدارة الأمريكية لا تضع مسألة بقاء أو رحيل بشار الأسد على رأس أولوياتها كما قالت نيكي هيلي، مندوبة أمريكا في الأمم المتحدة فما يتفق عليه كل المسؤولين الأمريكيين هو أن تنظيم «الدولة» يعتبر أولوية الإدارة الحالية وهزيمته تعتبر حيوية في ضوء التصريحات الصارخة لترامب ورفعه ورقة التهديد الإرهابي ومصالح الأمن القومي. فأوامره الرئاسية التي تمنع المسلمين من 6 دول مرتبطة بالتخويف الإرهابي. كما أن خططه لبناء جدار مع المكسيك جاءت عبر فكرة الخطر الإرهابي وكذا منعه اللاجئين السوريين. ولم تكن إدارة ترامب ترى في النظام السوري حتى 4 نيسان (إبريل) خطرا إرهابيا. بل كانت تصريحات الرئيس في أيامه الأولى تقول إن الأسد يقاتل تنظيم «الدولة» وكذا إيران وروسيا وهؤلاء يمكن أن يكونوا عونا له على هدفه الأكبر وهو سحق تنظيم «الدولة» عن وجه الأرض كما قال. وفي هذه الأولوية لم تكن إدارة ترامب تملك استراتيجية واضحة حيث تبنت بعد مراجعة سريعة لاستراتيجية باراك أوباما الأساليب نفسها بتعديلات جديدة ومهمة مثل منح القادة العسكريين الخيار في اتخاذ القرارات دونما العودة للبيت الأبيض، وهذا يفسر زيادة أعداد القتلى بين المدنيين في سوريا والعراق واليمن وفي أفغانستان التي استخدم فيها الجيش الأمريكي «أم القنابل» لضرب مواقع قال إنها تابعة لتنظيم الدولة/ولاية خراسان. وزادت الإدارة من وتيرة استخدام الطائرات بدون طيار وأرسلت أعدادا جديدة من قوات العمليات الخاصة إلى العراق وأكدت تحالفها في سوريا مع قوات حماية الشعب، متجاوزة الاحتجاجات والتحفظات التركية.
حسابات داخلية
ولا يمكن فصل تصعيد واشنطن ضد النظام السوري عن المشاكل الداخلية التي تواجهها إدارة ترامب. فالخلافات العاصفة داخل البيت الأبيض بين تيار الأيديولوجي ستيفن بانون، مدير الإستراتيجيات والذي يقف وراء شعار «أمريكا أولا» الذي يحمل ملامح من العزلة وتخلي أمريكا عن دورها الذي اضطلعت به منذ الحرب العالمية الثانية، وتيار صهر الرئيس غارد كوشنر، الذي سلمه ترامب ملفات خارجية عدة مثل المكسيك والصراع الفلسطيني- الإسرائيلي والعراق وسوريا. ووصفته بعض التعليقات الصحافية بوزير خارجية الظل، وتساءلت عن قدرته للتعامل مع تعقيدات السياسة الخارجية وقد جاء من خارج المؤسسة. وبالإضافة لطريقة ترامب الفوضوية في إدارة فريقه هناك ضغوط عليه نابعة من التحقيقات التي تقوم بها لجان في الكونغرس ومكتب التحقيقات الفدرالية حول دور محتمل للكرملين في الانتخابات الرئاسية، تشرين الثاني (نوفمبر) 2016. حيث حاولت موسكو من خلال عمليات قرصنة ألكترونية وحملة تضليل إعلامي وتسريبات من معسكر هيلاري كلينتون ترجيح كفة المرشح الجمهوري ترامب. ورفض الأخير الاتهامات واعتبرها أخبارا زائفة. بل وذهب بعيدا وهاجم المؤسسات الأمنية واتهمها بالتصرف كالسلطات النازية واتهم سلفه أوباما بالتنصت على «برج ترامب». وهي اتهامات أثبت المسؤولون الأمنيون زيفها. بل وأكدت صحيفة «الغارديان» (13/4/2017) نقلا عن مصادر غربية قولها إن مؤسسة التنصت البريطانية «جي سي أتش كيو» كانت أول مؤسسة أمنية تلاحظ العلاقة بين مسؤولين في فريق ترامب وعملاء روس أو من يشتبه منهم بالتعامل مع الروس. واكتشفت العلاقة بطريقة عرضية من خلال مراقبة هؤلاء وأعلمت المسؤولين الأمنيين الأمريكيين الذي ردوا على الوضع ببطء. وأيا كان فعلاقة ترامب بالروس وتصريحاته التي عبر فيها عن إعجاب بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين جعلت الكثيرين ومنهم الروس يتوقعون إعادة ضبط للعلاقة بين القوتين النوويتين.
نهاية شهر العسل
ومن هنا جاءت الضربة العسكرية المحدودة في سوريا كرسالة لتؤكد أن علاقات الإعجاب بين ترامب وبوتين قد انتهت. وهو ما أكده نجل الرئيس إريك في تصريحات لصحيفة «دايلي تلغراف» (10/4/2017) أكد فيها أن ضربة سوريا تؤكد أن كل الحديث عن علاقة بروسيا لا قيمة لها وأن والده صعب المراس ولا أحد يستطيع التلاعب به. وقال إن والده من المؤمنين بعقيدة الرئيس الأمريكي السابق رونالد ريغان وهي تحقيق السلام عبر الاستخدام المفرط للقوة. وبهذا أغلق العمل العسكري أي تعاون بين البلدين بل وعلقت روسيا التعاون في الأجواء الروسية لمنع اصطدام المقاتلات التي تحلق في المجال نفسه وتقوم بمهام مختلفة. وخيمت العلاقات الأمريكية- الروسية على اجتماعات وزراء خارجية الدول السبع الكبار في توسكاني الإيطالية. وعلى الاجتماع البارد بين تيلرسون ونظيره الروسي سيرغي لافروف. فرغم الرسالة التي حملها تيلرسون معه ودعوة موسكو للتخلي عن نظام «بات يسمم سمعة روسيا» إلا أن الكرملين رد بعقد اجتماع شارك فيه وزيرا الخارجية الإيراني والسوري وأكد على دعم قوي للنظام السوري. وشكك العديد من المحللين بقدرة واشنطن التي فقدت معظم أوراق النفوذ في سوريا على تغيير الموقف الروسي. فقد استثمر بوتين في سوريا الكثير من المال والدم. وكما علقت صحيفة «نيويورك تايمز» (8/4/2017) فتأكيد الدعم وشجب «العدوان» الأمريكي يعني نهاية «فكرة التعاون مع الإدارة الأمريكية بناء على شروطه».
ونقلت عن المحلل السياسي المستقل ألكسندر موروزوف قوله: «حدد بوتين خياره وأكد على أن الأسد حليف» وهو ما سيقود إلى عزلة روسية جديدة إلا أن بوتين «سيصمد على موقفه». ولن يكون الموقف الجديد بدون ثمن تدفعه روسيا اقتصاديا وتورط طويل في الأزمة السورية، فحتى وقت قريب كان التدخل العسكري الروسي غير مكلف من الناحية العسكرية والبشرية والمالية. وظلت موسكو تتعامل مع التدخل في سوريا كمهمة قصيرة تستطيع الخروج منها في أي وقت. وفي ضوء تشديد الولايات المتحدة لهجتها بل وحديث تيلرسون عن التزام أمريكا بالدفاع عن المدنيين أيا كانوا في العالم فستجد روسيا نفسها أمام وضع جديد لم يعد فيه رئيس الولايات المتحدة يتردد في استخدام القوة لتأكيد قوة بلاده أو الظهور بمظهر الزعيم القوي خلافا للصورة التي قدمها أوباما الذي ظل مترددا في استخدام القوة الأمريكية.
عقيدة
وهذا لا يعني أننا أمام «عقيدة جديدة» لترامب. ويتفق الجميع أنه تصرف حيال الهجوم الكيميائي لأنه لم يرد الظهور بمظهر الرئيس الضعيف. وبالنظر لرد فعله الأولي نرى أنه حاول كعادته رمي المسؤولية على الإدارة السابقة وتحميلها فشل حل الأزمة السورية مع أن تغريداته ما بين 2013- 2014 كلها دعت أوباما لتوفير سلاحه لليوم المهم. وكان أول قرار اتخذه بعد وصوله إلى البيت الأبيض قطع الدعم القليل الذي كان يقدم للمعارضة السورية المعتدلة. ولهذا فالضربة المحدودة لا تعبر عن تحول جذري في مواقف الرئيس خاصة أنها جاءت ردا عاطفيا على ما شاهده من صور على شاشة «فوكس نيوز». وإن صدقنا التقارير وتصريحات نجله أن ابنته إيفانكا لعبت دورا في دفعه للتحرك فهذا يثير المخاوف. فقضايا الحرب والسلم كما قالت صحيفة «أوبزيرفر» (8/4/2017) لا تقوم على الردود العاطفية والرد الغريزي على خطأ فادح ارتكبه نظام ديكتاتوري قد يؤدي إلى جعل حياة المدنيين أخطر. وقالت إن ترامب لا يزال «طالبا مبتدئا» في شؤون الأمن الداخلي والخارجي. وبدا كل هذا واضحا في قراره ضرب النظام السوري، فلم تنقصه التجربة فقط بل وأظهر أنه لم يكن مستعدا للتعلم وفهم تعقيدات حرب أهلية تدور منذ 6 أعوام. واتخذ قراره بدون عودة إلى الكونغرس أو الأمم المتحدة وهذا يذكر بحرب العراق عام 2003. وذكر الكاتب ميكا زينكو في «فورين بوليسي» (9/4/2017) أن ترامب قام بتصحيح خطأ ارتكب بخطأ آخر.
ورغم تأكيد البنتاغون في بيانها على أن هدف العملية كان منع الأسد من استخدام السلاح الكيميائي مرة أخرى إلا أن العملية تعبر عن ضيق نظر. لأن الأسد يمكنه مواصلة قتل المدنيين بطرق أخرى. ففي العام الماضي قتل حول العالم 97.000 شخص بسبب النزاعات والحروب وربما قتل منهم بضعة مئات نتيجة للأسلحة الكيميائية. وعليه فالرد الأمريكي لا ينبع من استراتيجية لحل النزاع أو وقف معاناة المدنيين بل لشعور كل الطبقة السياسية والعسكرية والأمنية أن هناك حاجة لعمل شيء أمام ما يرونه من معاناة للمدنيين. وهناك مشكلة أو معضلة في اللجوء إلى القنابل والصواريخ لإرضاء النفس. وحسب مسؤول فالهجوم محدد أو كما يقال مثل «بيضة النعامة» وهو تعبير عن موقف وليس سياسة. فصور الصواريخ «الجميلة» التي وصفها معلق أمريكي كانت تهدف لإعطاء صورة أن الأسد قد دفع الثمن. وعلى المدى البعيد سيحاول كل طرف في الحرب تسليح جماعته أي بشكل عام تواصل الحرب الأهلية فيما سيواصل الأسد جرائمه وبدعم كامل من إيران وروسيا. وسيواجه ترامب التحدي نفسه عندما يتم ارتكاب جريمة أخرى: هل يسكت أم يرد بالقوة؟ كل هذا يجعل من العملية محاولة لرد الإعتبار لمصداقية الولايات المتحدة. وجاء التعجل باستخدام القوة ليمنع أي نقاش عام حول القرار. وهذا أمر يثير القلق خاصة أن ترامب بعد أكثر من 3 أشهر في الحكم لم يستكمل بعد فريقه للأمن القومي ولا يعرف المراقبون إلى أين تقود الهجمات. فالتدخل الإنساني يظل مدعاة للتدخلات الأخرى أو المهمة الزاحفة.
لا رؤية
وكما قالت مجلة «إيكونوميست» (12/4/2017) فضربة واحدة لا تصنع استراتيجية. ولا يوجد ما يشي لوجود اتفاق على الخطوة المقبلة وأن حديث الإدارة عن تغيير النظام يعني مواجهة عسكرية مع الروس في الجو. وبدلا من التصريحات المتناقضة على الإدارة التحضير لليوم التالي بعد إخراج تنظيم الدولة من «عاصمته» الرقة. وهي وإن رأت أن التقسيم الفعلي الحاصل في سوريا هو الحل الوحيد المفضي لرحيل الأسد إلا أن الإدارة لا تملك خطة بهذا الإتجاه. وكما لاحظ غوست هيلترمان في مقال نشره موقع مجلة «نيويورك ريفيو أوف بوكس» فلم يظهر ترامب «جدية» لتدخل عسكري واسع رغم الضربة الرمزية لقاعدة الشعيرات. ويرى الكاتب أن مسألة سوريا أعقد من عملية صواريخ، فما يجري في الحقيقة هو تنافس بين عدة قوى على «غنيمة» تنظيم «الدولة». ويقوم كل طرف بموضعة نفسه، مشيرا للدور الذي تلعبه إيران وما تقوم به من تحالفات مع أكراد سوريا وحزب العمال الكردستاني «بي كي كي» وخططها لبناء ممر يمتد من حدودها عبر العراق وسوريا إلى ساحل البحر المتوسط. ومن هنا فما حققته الولايات المتحدة من فائدة لن يؤدي إلى وضع مستقر في المنطقة بمرحلة ما بعد الحرب طالما لم تخطط لها. وكان توماس فريدمان، المعلق في صحيفة «نيويورك تايمز» كتب عن جدوى استراتيجية مكافحة تنظيم «الدولة» ودعا للتركيز على نظام الأسد والروس وإيران وجعلهم يدفعون الثمن بدلا من تقديم خدمة مجانية لهم بهزيمة عدو مشترك وهم الجهاديون.
وفي النهاية، لاحظت ديان فوندستين تشامبرلين في «فورين إفيرز»(14/4/2017) أن ضربة واحدة لن تغير من سلوك النظام. وستكون إدارة ترامب مخطئة لو ظنت أنها بعدد من الصواريخ ستردع ليس الأسد بل والأنظمة المارقة الأخرى مثل كوريا الشمالية.
إبراهيم درويش