ترامب والسعودية ينسقان المواقف

حجم الخط
3

الكليشيه القديم يقول إنه «في الشرق الأوسط كل شيء ممكن»، أي أنه لا يوجد شيء غير متوقع. وكأن الزعماء العرب لا يعترفون بالمفهوم الغربي «المنطق»، وهم يتخذون قرارات ارتجالية، وفي الحالات الاكثر سوءاً هم يتلقون الوحي الإلهي. يبدو أنه جاء للشرق الأوسط منافس لا يمكن هزيمته، يجلس في البيت الأبيض، وهو قلق طوال الوقت من كيفية تحطيم هذا المفهوم بصورة أفضل.
في الاسبوع الماضي أبقى الرئيس الأمريكي مساعديه ووزراءه في دهشة عندما أعلن أن الولايات المتحدة ستخرج قريبا جدا من سوريا. فقط قبل بضعة أيام من ذلك قال وزير الدفاع الأمريكي جيمس ماتيس أموراً معاكسة لذلك عندما قال إن الوجود الأمريكي في سوريا «سيكون بدون سقف زمني». في الشهر الماضي قالت شخصيات أمريكية رفيعة المستوى أموراً مشابهة، وشرحت كيف أن الوجود الأمريكي حيوي في سوريا إلى أن يتم إيجاد حل سياسي فيها. هذه فقط صيغة مصقولة أكثر لنفس الرسالة.
ما الذي بالضبط دفع ترامب، والذي أيضاً جمّد في نفس الوقت مبلغ 200 مليون دولار كانت مخصصة للإعمار في سوريا، لإصدار هذا الاعلان. يبدو أن المحادثات التي أجراها مع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان دفعت ترامب إلى الاعتراف النهائي بأن واشنطن ليس لديها ما تبحث عنه في سوريا. صحيح أن محمد بن سلمان في مقابلة مع المجلة الاسبوعية «التايم» قال إنه من المهم أن تبقى القوات الأمريكية التي يصل عددها إلى 2000 مقاتل، في سوريا، من أجل صد توسع النفوذ الإيراني فيها. ولكن في نفس المقابلة قال إن «الأسد سيبقى في الحكم، وأنا فقط أعتقد أن مصلحة الاسد هي أن لا يسمح لإيران بأن تفعل ببلاده ما تشاء».
إذا عرض ترامب انقلابا في سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط فإن الامير محمد بن سلمان قام بكسر الأدوات. السعودية التي كانت الدولة العربية الاخيرة التي وقفت كسور منيع ضد امكانية أن يواصل الاسد الحكم تنزل من برج الحراسة، وعملياً تعترف بفشل سياستها في سوريا كاستمرار مباشر لفشل جهودها في تشكيل النظام في لبنان.
يبدو أن الرئيس الأمريكي وولي العهد السعودي بقيت لديهما ورقة لعب واحدة في المنطقة، وأيضاً هذه الورقة ليست مؤثرة بشكل خاص، وهي النزاع الإسرائيلي ـ الفلسطيني، الذي فيه ما زالا يريان «صفقة القرن» لترامب مثل كنز محفوظ لأصحابه. فقط هذا الكنز هو سري جداً، لا أحد يعرف بشكل صحيح ما الذي يحويه، باستثناء فتات من التسريبات والاقتراحات غير الواقعية عن إقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها أبوديس، التي في داخلها ترتاح بهدوء المستوطنات الإسرائيلية.
ترامب وولي العهد ينسقان معا بشكل جيد مسألة التظاهرات والقتلى في قطاع غزة ومكانة حماس. واشنطن وقفت في يوم الجمعة ضد مبادرة الكويت في مجلس الامن، التي أرادت صياغة مشروع قرار يدين إسرائيل. السعودية ساهمت بدورها في ذلك عندما رفضت الاستجابة لطلب الرئيس الفلسطيني محمود عباس عقد جلسة طارئة للجامعة العربية من أجل مناقشة قتل الفلسطينيين في غزة. عباس تلقى فتوراً سعودياً عندما أوضحت له السعودية أنه بعد بضعة أسابيع ستعقد القمة العربية الدورية، لذلك ليست هناك حاجة لقمة طارئة.
إن التعامل البارد لترامب وابن سلمان مع ما يحدث في غزة واستسلامهما للواقع في الموضوع السوري، يرسم استراتيجية أمريكية ـ سعودية أكثر وضوحاً تقضي بأن النزاعات الاقليمية يتم علاجها من قبل جميع الدول التي تجري فيها هذه النزاعات، وفقط النزاعات التي فيها امكانية كامنة لحرب عالمية ستحظى بالاهتمام وحتى بالتدخل. هكذا هي الحال، مثلا، النضال ضد إيران التي ستواصل اثارة اهتمام ترامب والسعودية، لأنه يعتبر نزاعاً هاماً على المستوى الدولي، وليس فقط نزاع يهدد إسرائيل والسعودية.
في المقابل، سوريا لا تهدد العالم. وطالما أن الامور تتعلق بتهديد إسرائيل فإن مهاجمة المفاعل والتدخل العسكري الإسرائيلي الجاري في سوريا يدل على ان إسرائيل ليست بحاجة، وحتى لا ترغب، في إشراك دول عظمى أخرى. أيضاً النزاع الإسرائيلي ـ الفلسطيني لم يعد يعتبر تهديداً دولياً، وحتى ليس تهديداً اقليمياً، لذلك، من الزائد «أن يبدد» عليه جهد دولي أو عربي. إذا كانت مصر تريد وتستطيع التعامل معه من الجانب العربي، سيكون ذلك، لكن في هذه الاثناء ليس أكثر من ذلك.
النتائج العملية من هذه السياسة ستستنتجها الآن روسيا وإيران اللتان تديران منذ زمن النزاع في سوريا، من دون تدخل أمريكي أو سعودي. المنافسة بين إيران وروسيا على السيطرة على الموارد الضحلة في سوريا خفتت بعد سيطرة روسيا على معظم حقول النفط السورية وعلى معظم الاتفاقات المستقبلية لاستغلالها. إيران ستكتفي بمكانة ضيفة استراتيجية للأسد، وكما يبدو ستحافظ على قدرة عسكرية وسياسية دائمة للوصول إلى لبنان.
قبل بضعة أسابيع أصبح معروفاً للأكراد أن الولايات المتحدة لا تنوي مد رقبتها من أجلهم، عندما سمحت لتركيا بغزو عفرين واحتلالها. الآن لن يحصلوا على كامل المساعدات الأمريكية التي تم التعهد لهم بها. كما تبين أن أنقرة مهمة لترامب أكثر من الاكراد، الذين حسب الأمريكيين، أنهوا دورهم عند استئصال داعش. وكما هو الامر في النزاع الإسرائيلي ـ الفلسطيني أو في الحرب «المحلية» في سوريا، فان النزاع بين الاكراد وتركيا أيضاً سيدار في إطار محلي بين الطرفين وليس بواسطة الولايات المتحدة.
بدون الدعم والتدخل الأمريكي والسعودي، يتوقع أيضاً أن تقوم مليشيات المتمردين بإعادة تقييم مسارها والفهم بأنها لم تعد تستطيع تجنيد العداء بين الدول العظمى والسعودية تجاه سوريا من أجل تحقيق امتيازات سياسية. الإملاء الروسي سيكون اللاعب الوحيد في الساحة. ربما هنا تكمن في كل ذلك بشرى للمواطنين السوريين الذين يستمر قتلهم بالعشرات يوميا.

تسفي برئيل
هآرتس 2/4/2018

ترامب والسعودية ينسقان المواقف
يتنازلون للرئيس السوري ويتجاهلون ما يجري في قطاع غزة
صحف عبرية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية