ترامب والعرب: هل انتهت حقبة أوباما؟

حجم الخط
0

زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى المملكة العربية السعودية إعلان انتهاء حقبة وبداية حقبة جديدة في العلاقة الأمريكية مع المنطقة عموماً. انتهاء الحقبة السابقة التي جسدتها استراتيجية الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، وما أحدثته من خلل أساسي في موازين القوى نتيجة سياسة الانسحاب وعدم الانخراط وإدارة الظهر وغض الطرف.
نتائج الحقبة الماضية واضحة التداعيات. يقول الجمهوريون إن حلم أوباما بربط إسمه بإنجاز تاريخي قاده إلى الاتفاق النووي مع إيران دون تسوية حول دور طهران في المنطقة. سياسة الانسحاب وعدم الإنخراط قادت إلى إحداث فراغ في الشرق الأوسط ملأه أخرون، ويحاولون أكثر تعزيز مواقعهم وتثبيت أقدامهم. فيكفي أن يقف مسؤول إيراني قبل سنتين أو ثلاثة من الزمن ليعلن أن طهران احتلت أربع عواصم عربية كي يظهر مدى الخلل الذي أصاب المنطقة. والحديث هنا لا يدور عن إيران فحسب، بل أيضاً عن ذلك الحلف الاستراتيجي الذي تقوده موسكو وتُشكّل طهران وأذرعها العسكرية والنظام السوري جزءاً منه. أما سياسة إدارة الظهر، فأدت إلى وصول العلاقات الأمريكية- الخليجية، ولاسيما الأمريكية- السعودية إلى أدنى مستوياتها. ليس من وهم أن هذه العلاقات، مهما اشتد التأزم فيها، لا يمكن أن تصل إلى حدود القطيعة النهائية، وانتقال التحالفات الخليجية من ضفة إلى ضفة. فالعلاقات الأمريكية-الخليجية استراتيجية حين تتعرض هذه الدول لأخطار خارجية تؤثر على أمنها الوجودي، كما حصل مع الكويت إبان غزو الرئيس العراقي صدام حسين لها. لكن المسألة تكمن أن التمدد الإيراني إلى عمق الدول العربية والخليجية، الذي أخذ مداه في عهد أوباما نتيجة سياسة غض الطرف، قام على الإيديولوجية الدينية لولاية الفقيه، والتي فاقمت الصراع المذهبي وبدأت في ضرب جسد تلك الدول.
اليوم يأتي ترامب إلى المملكة العربية السعودية في أول زيارة خارجية له منذ توليه سدة الحكم. إنها رسالة قوية للحلفاء التقليدين العرب والحلفاء في العالم الإسلامي الذين كانوا بحاجة إلى نوع من الصدمة الإيجابية بعد ثماني سنوات من النزف البطيء في العلاقات. ولكن السؤال: هل نحن أمام تحول كبير؟ وإلى أي مدى يمكن أن يصل؟
قد يكون من السابق لآوانه الحكم على مآل القمة العربية- الإسلامية- الأمريكية. هي القمة التي ستُحدّد معالم المرحلة المقبلة. لا شك أن القمة السعودية- الأمريكية والقمة الخليجية- الأمريكية مهمتان، وهما المقدمات الضروية لنجاج القمة العربية- الإسلامية- الأمريكية، لكن هذه القمة تشكل المفتاح لكفية استعادة إمساك واشنطن بمفاصل اللعبة في المنطقة، وسترسم إلى حد كبير خارطة الطريق للإنخراط الأمريكي وحجمه وحدوده ومراميه.
ثمة محللون يعتبرون أن الاستراتيجية الأمريكية حيال المنطقة يشوبها الغموض، على الرغم من الارتياح الذي يظهره الحلفاء العرب التقليديون، وفي مقدمهم المملكة العربية السعودية نتيجة مواقف الإدارة الراهنة. لكن أخرين يدورون في فلك إدارة ترامب يرون أن منحى الاستراتيجية الأمريكية الجديدة ليس غامضاً، وإن كانت ملامح العلاقة بين واشنطن أنقرة تسوده الضبابية. فكثير من توجهات تلك الاستراتيجية قد تبلورت من خلال اللقاءات التي أجراها الرئيس الأمريكي مع قادة دول المنطقة في البيت الأبيض، ولاسيما القادة العرب. ويدرج هؤلاء لقاء ترامب مع قادة الدول العربية والإسلامية في القمة الموسعة في إطار عملية سبر أغوار لحدود التحالف الذي سينشأ، وليس ما إذا كان سيكون هناك تحالف أو لا. فقد أعلن مسؤول رفيع في إدارة ترامب أن سيد «البيت الأبيض» تواق نحو إنشاء قوة مشتركة عربية في الشرق الأوسط بما يشبه «ناتو عربي»، ولكن إلى أي مدى سيكون الحلفاء التقليديون القدامى جاهزين لمثل هكذا تحالف عربي أو عربي-إسلامي، وهم غارقون في مواجهة أزمات عدة وتحديات محيطة بهم وفي عقر دارهم. وإلى أي مدى سيتوافقون على الأجندة السياسية لهذه القوة. فالتحالف في سياق محاربة الإرهاب هو التزام وتحد للدول الإسلامية، وعلى رأسها السعودية ودورها في ريادة العالم الإسلامي.
وفي رأي المتابعين فإن أهمية زيارة ترامب إلى الرياض لا تكمن في الجانب الاقتصادي- المالي بقدر ما تكمن في ما سيخرج عنها من قرارات سياسية والتزامات بالشراكة الأمريكية ـ العربية ـ الاسلامية في المنطقة للعمل على مكافحة الارهاب والتحديدات الاقليمية وتعزيز السلام والإستقرار. عناوين ستندرج تحتها الأزمات المفتوحة في المنطقة، التي تبدأ باليمن ولا تنتهي عند سوريا ومستقبلها ودور روسيا ونفوذها في ظل علاقتها الاستراتيجية مع طهران وأذرعها العسكرية والنظام السوري ورغبتها في تعزيز المحور الذي تتزعمه والذي تعمل بجده على ترسيخ قوته في المنطقة ضمن لعبة توازن القوى.
فاستقامة موازين القوى في المنطقة تستدعي، وفق المتابعين، تلك الشراكة القوية الأمريكية- العربية بعد الخلل الذي أحدثه الانسحاب الأمريكي، وتحضير القوة العسكرية القادرة أن تملء مكان «تنظيم الدولة الإسلامية» الذي باتت مسألة القضاء على جغرافيا دولته مسألة وقت ليس إلا. وواشنطن تدرك أن بوابة الضغط على إيران سياسياً يكون عبر ضرب حلمها ومشروعها في « الهلال الشيعي» وعقدة القطع والوصل تكمن في الشريان الحيوي بين سوريا والعراق، حيث أن معركة «معبر التنف» التي تضع إيران عبر ميليشاتها ثقلها فيها لضمان جسر التواصل البري بين طهران ودمشق هي معركة مصيرية لها، كما هي معركة أساسية لواشنطن بعدما قرر رئيسها الجديد إعادة الانخراط لإعادة التوازن المفقود، رغم أن تساؤولات كثيرة تدور في هذا الإطار عن موقع تركيا في هذا التوازن المطلوب على وقع الخلاف الأمريكي- التركي حيال الملف الكردي.
والرهان على إطفاء الحرائق في المنطقة سواءً عربياً أو أمريكياً لا يمكن توقّع النجاح في تحقيق منسوب مقبول فيه، إذا لم يتم التعامل مع القضية المركزية للعرب، والمتمثلة بالقضية الفلسطينية. فطموح ترامب أن يُسهّل العرب الطريق عبر صياغة نوع من «تقارب خليجي- إسرائيلي ما» يمهد لاحقاً أمام تسوية إسرائيلية- فلسطينية. مسألة قد يكون فيها الكثير من الرغبة البعيدة عن منطق الواقع، والذي سيُحدّد موقف ترامب نفسه خلال زيارته إسرائيل البوصلة للمسار الذي سيسلكه هذا الملف، ولاسيما في ما خص مستقبل القدس.
في الترويج السياسي- الإعلامي لزيارة ترامب للمملكة العربية السعودية، هناك حرص على إبداء وجود «رؤية واحدة مشتركة» بين القمم الثلاث وبين القادة العرب والمسلمين الـ 55 أرادات الرياض جمعهم والرئيس الأمريكي تحت شعار «العزم يجمعنا». الرغبة قد تكون موجودة، ولكن العبرة في التنفيذ أو القدرة على التنفيذ. ولعل الأهم أن تكون الآمال على مستوى الطموحات، إذا أراد قادة المنطقة وشعوبها مغادرة زمن الخيبات!.

ترامب والعرب: هل انتهت حقبة أوباما؟

رلى موفّق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية