مع أنني فقدت الثقة بحكمة البشر وعقلانيتهم منذ زمان بعيد، وبت لا أستبعد منهم أقصى درجات الرعونة والحمق والتهور، إلا أن مصالحهم تجبرهم في كثير من الأحيان، لحسن الحظ، على الارتداد إلى شيء من الرشد والتعقل؛ ما يمنعهم من التمادي في مغامراتهم الطائشة غير المضمونة العواقب.
أقول هذا في سياق الحديث عن الأزمة الخليجية بين قطر وخصومها، إذ أرجح أن تتحلحل الأزمة في غضون أشهر قليلة، وربما أقل من ذلك، بعد أن تتيقن الأطراف المتورطة فيها أن الخسارة الحتمية الباهظة هي ما ينتظرها جميعها، إن لم تتدارك الأمر وتضع حدا لتلك الأزمة المفتعلة، التي تستهدف استعراض العضلات قبل أي شيء آخر.
إلا أن الجانب الأكثر ترشيحا لأن يدحض تلك الرؤية ويدفع الأزمة باتجاه المزيد من التأزم حتى التفجر هو الجانب الإماراتي. فالسلوك السياسي لحكام الإمارات في السنوات الأخيرة كما تؤكد شواهد كثيرة وصل إلى مستويات خطيرة وغير مسبوقة على مقاييس النزق والصلف وضيق الأفق، وقد لا يكون من المستبعد إصرارهم على المضي قدما في محاولاتهم الطفولية المتنمرة لتركيع قطر، حتى وإن أفضى ذلك إلى إحراق منطقة الخليج.
لقد قيل الكثير في الأسباب الحقيقية التي تقف وراء تلك الحملة المسعورة ضد قطر، ولكني أخشى أن يكون السبب الأول والأهم، بالإضافة إلى الغيظ الصبياني من إنجازات قطر والمكانة التي باتت تتمتع بها رغم صغر حجمها، هو الرغبة المحمومة غير المفهومة في تصفية القضية الفلسطينية للأبد، عبر وضع حد حاسم ونهائي لكل ما من شأنه دعم نهج المقاومة ومده بأسباب الحياة.
الغريب في الأمر هو عدم وعي دول المقاطعة بأن دعم قطر لحركة حماس يسهم عمليا في تدجين الحركة ونزع مخالبها المتحفزة للمقاومة، في حين أن تضييق الخناق عليها وفرض المزيد من الضغوط عليها لن يفضي على الأرجح إلا إلى دفعها إلى ردود أفعال متوترة، قد لا يكون الارتماء الكلي في أحضان إيران أقلها. ومن يتابع توجهات الحركة في الآونة الأخيرة، يدرك بوضوح أنها قد وضعت أقدامها على طريق التنازل التدريجي عن نهج المقاومة، مهما رفعت من شعارات لا قيمة لها. فتتابع وفودها التي لا تتوقف إلى القاهرة، التي يفترض أنها تخضع حاليا لنظام انقلابي غير شرعي، يقيم علاقات حميمة بالكيان الصهيوني، وكان قد تفنن وما يزال في التنكيل بجماعة الإخوان المسلمين، التي ترتبط حماس بها ارتباطا تاريخيا عضويا لا يمكن التنصل منه، لا يمكن أن يعني إلا اقتراب الإعلان عن الوفاة الإكلينيكية لنهج المقاومة في غزة، ولو بعد حين.
أما جماعة الإخوان نفسها، فمن السذاجة الزعم أو حتى الافتراض بأنها تشكل خطرا على دول الخليج، أو أن لها علاقة بالإرهاب، وجعل ذلك من أسباب مقاطعة قطر. فالجماعة أضعف من ذلك، ولو صح ما ينسب إليها من ارتباطها بالإرهاب، لما اقتيد عشرات الألوف من قياداتها وكوادرها إلى سجون الانقلاب وهم لا يملكون أكثر من الهتاف بأن سلميتهم العاجزة أقوى من الرصاص!
لا شك أن دول المقاطعة، وبخاصة السعودية تعي ذلك. إن المقاطعة في ظني ليست أكثر من قرصة أذن لقطر، لتذكيرها بأن عليها الالتزام بحدود معينة، والإقرار بضرورة عدم تعارض سياساتها مع سياسات الرياض، التي ستغدو اللاعب العربي الأكبر والأهم في المنطقة، بعد انكفاء الدور المصري بسبب الانقلاب وعصبته، وانفضاح ولدنة السياسات الإماراتية وتورطها في مغامرات خرقاء، لا تعود إلا بالضرر عليها وعلى غيرها.
أكاديمي عربي يقيم في كندا
د. خالد سليمان