■ يواجه المصريون تحديات كبرى، تبدأ من الصراع الدموي الذي تحوّل، مع مشاركة قبيلة الترابين فيه، إلى ما يشبه الحرب الأهلية والأمنية ضد تنظيم «الدولة الإسلامية» في سيناء، وينضاف إلى ذلك الاستعصاء السياسي الكبير الحاصل بعد الزجّ بالرئيس المصري المنتخب محمد مرسي في السجن وعمل الأجهزة الأمنية إلى تحويله أيضاً إلى صراع دمويّ من خلال الانتقال من البطش بمعارضي النظام، سواء كانوا من تيّار الإسلام السياسي العريض، أو من الاتجاهات السياسية الأخرى، إلى تصفيتهم بدم بارد تحت مسمّيات «التكفيريين» و»الإرهابيين».
ولمعرفته أن آلة البطش والقتل لا تستطيع حل أزمته السياسية العميقة فإن النظام يلجأ إلى تصريفها في قنوات عديدة، أوّلها محاولات التعويم المرحلية للاقتصاد عبر اللجوء لقروض صندوق النقد الدولي وهبات دول الخليج العربي يطرح مقابلاً لها إجراءات اقتصادية قاسية منها تعويم العملة المحلّية وزيادة الضرائب، أو تطويع القضاء والبرلمان لتأمين عودة جزيرتي تيران وصنافير للسيادة السعودية، وتصعيد لهجة الاختلاف مع إيران، وتأجيج الصراعات الطائفية، وخصوصاً بعد ضرب أهم الكنائس المصرية، وإشغال إعلامييه الجمهور بمعارك كاذبة ضد الأزهر تحت مسمّى «تجديد الفكر الديني».
في هذه الأثناء يتابع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مسلسلاً دراميّاً طويلاً من الأقوال الغريبة والمتناقضة كان آخرها اعترافه بسوء الأوضاع المعيشية حيث «ملايين المصريين مش لاقية تاكل»، وكان ذلك بخصوص انتقاد ظاهرة الاستيلاء على الأراضي المملوكة للدولة، من دون أن يلاحظ المفارقة الساخرة، من كون الاستيلاء على الأراضي المملوكة للدولة هو المعادل الموضوعي للاستيلاء على السلطة السياسية للدولة ومنع أي طرف سياسي آخر، بقوة الغلبة والسلطان، من مناقشة ظروف هذا الاستيلاء وتبعاته الوخيمة على مصر.
في الوقت الذي لا تتردّد السلطات نهائيّاً في الضرب بيد من حديد على كل معارضيها الجديين، كما جرى مع «الإخوان المسلمين» ويجري مع عبد المنعم أبو الفتوح ومحمد البرادعي، فإنها في المقابل تتسامح، إذا لم تكن تشجّع أو تتواطأ مع، أي معارضين غير جدّيين.
المنطق وراء ذلك هو تسخيف فكرة معارضة السيسي شخصياً، والمعارضة بشكل عام، ومن ذلك ما ورد في خبر تنشره «القدس العربي» اليوم عن إعلان «الفلكي» أحمد شاهين نيّته الترشح للرئاسة وقبلها ما ورد عن الأستاذة الجامعية منى برنس التي أثارت ضجة بشريط فيديو نشرته وهي ترقص، وإعلانها، هي الأخرى ترشحها للانتخابات المصرية.
شاهين سبق أن وصف السيسي بـ»المهدي المنتظر وإمام مصر والحجاز»، وبهذه الحالة فما هي فرص الفلكيّ المسكين بالنجاح أمام من «بشّرت به نبوءات الأقدمين» على حد تعبيره، أما «الدكتورة الراقصة» فكانت أكثر تواضعاً وقالت إنها لا تستطيع «الوعد بحل مشاكل مصر والمصريين في سنة أو سنتين أو 10 سنوات»، وبالتالي فما هو معنى ترشحها لمدة رئاسية لـ4 سنوات، لا تريد تمديدها لقناعتها بمبدأ «تداول السلطة»، وما هي حظوظها في الوصول إلى هكذا منصب وهي التي لم تستطع أن تحافظ على عملها الجامعيّ أصلاً؟
كان التاريخ المصريّ (وربّما العالميّ) يتلخّص عادة باستخدام السلطة لسيفها وذهبها، غير أن السلطات المصرية، وربّما لقلّة مواردها، تستخدم السيف لضرب معارضيها الحقيقيين، فيما تفتح الباب لمعارضة التهريج.
سيف المعزّ يضرب وذهب التهريج يسخّف السياسة ويحوّر معناها.
رأي القدس