تركيا أردوغان والحليف الاقتصادي الجديد

حجم الخط
1

يظن كثير من العراقيين أن تركيا ظلت في علاقاتها مع العراق حريصة على إعادة التاريخ إلى الوراء كلما أوشكت العلاقات بين البلدين إلى الإرتقاء نحو مستويات أعلى، والعودة إلى الوراء ترجع إلى صفحة عندما واصلت فيها القوات البريطانية أثناء الحرب العالمية الأولى الزحف شمالا بعد معركة الفتحة والجرناف على الرغم من التوصل إلى وقف لإطلاق النار بين الطرفين، إلا أن القوات البريطانية لم تتوقف إلا عند الحدود السياسية الراهنة للعراق، وهذا التصور يعود إلى الخطاب التركي الشعبي الذي يلقي باللائمة على العرب في انهيار الدولة العثمانية، ولم تبذل الحكومات التركية المتعاقبة على الحكم منذ أعلنت الجمهورية التركية الجديدة عام 1923 جهدا حقيقيا لإزالة هذا الفهم الذي كان يتبناه خصوم الاتاتوركية والمدافعون عنها على حد سواء.
وكانت تركيا الحديثة من أكثر دول المنطقة تشددا في التعامل مع الأقلية الكردية، ليس في حدود الدولة التركية فقط وإنما مع أكراد المنطقة المنتشرين في الدول المتاخمة لجنوب شرقي وجنوب تركيا، ومع أن تركيا كانت «وما تزال عضوا فعالا في حلف شمالي الأطلسي» وترنو بنظرها نحو العالم الغربي وخاصة الاتحاد الأوروبي تاركة محيطها الإسلامي وراء ظهرها، إلا أن حقبة حكم الرئيس توركوت أوزال الذي كان وفيا لتقاليد الأتاتوركية، أضافت صفحة سلبية في علاقات البلدين عندما لعبت حكومته دورا مؤذيا لوحدة الأراضي العراقية لما انصاعت لإرادة التحالف الدولي الذي قادته الولايات المتحدة في عام 1991 تحت شعار إخراج العراق من الكويت، ففتح أبواب تركيا أمام أكراد العراق إما كساحة لتسوية الخلافات بين جناحي الحزب الديمقراطي الكردستاني والإتحاد الوطني الكردستاني، أو كممر لتحركات سياسية إقليمية ودولية إلى المنطقة الكردية في شمال العراق، ولكن تلك السياسات لم تخل من نتائج عكسية على المصالح التركية وخاصة ما يتعلق بتحريك المشاعر الوطنية الكردية في الداخل، ويبدو أن سياسات أوزال هي التي أدت إلى انتعاش الحراك الكردي واكتسابه دعما دوليا متناميا.
لكن القضية الكردية والإعتراف بحقوق الشعب الكردي القومية ظلت ضمن المحرمات المقدسة لدى الأحزاب القومية والعلمانية التركية، إلى أن ظهر على المسرح السياسي التركي حزب «العدالة والتنمية» بثقل استثنائي واستطاع أن يدخل تعديلات جوهرية على الدستور وأن يحدد من دور الجيش التركي الذي كان ينظر إليه باعتباره الحارس الأمين للأتاتوركية في البلاد، مستغلا الحملة التي مارسها الاتحاد الأوروبي حول الديمقراطية وحقوق الإنسان وإبعاد المؤسسة العسكرية عن التدخل في الشأن السياسي.
لقد جاء حزب «العدالة والتنمية» بأفكار أحدثت صدمة إيجابية أيقظت المجتمع التركي من النظرة النمطية التي كان يتعامل بموجبها مع كل الملفات الوطنية، فقد بقيت تركيا وفية لحقبة مصطفى كمال أتاتورك مع أن العالم كان يسير إلى الأمام لا يلوي على شيء، وكان من بين المبادئ التي ركز الطيب رجب أردوغان إشاعة مفهوم المواطنة الواحدة بين جميع مكونات الشعب التركي، وكان التعاطي مع الملفين التركي والأرمني مثل عبور أعمى لحقل ألغام عشوائي في ليلة مظلمة، ولكن الإرادة السياسية لأردوغان جعلته يحث الخطى من أجل إيجاد حل ناجح للمسألة الكردية في تركيا، ولكنه أيقن أن المضي في العلاقات مع الحركة الكردية من دون قراءة استراتيجية خاصة سيحوّل هذه القضية إلى خطر يهدد الخاصرة التركية الرخوة في جنوبي تركيا، حيث يتواجد الأكراد الآخرون في كتلة بشرية متجانسة يمكن أن تهدد وحدة الدول التي يتواجدون فيها، لاسيما وأن هذه الحركة رفعت من سقف مطالبها إلى حد أن مسعود البارازاني هدد بالدعوة لإستفتاء تقرير المصير لأكراد العراق، مما سيعني بداهة أن ما تشهده الساحة الكردية في العراق لا بد أن يجد صداه السريع في المنطقة الكردية في تركيا، إما الاحتمال الثاني فهو أن مبادئ حزب «العدالة والتنمية» لا تسمح له بمواصلة حذف المكون الكردي من الخارطة السكانية التركية، ومن هنا نجد تفسير الزيارة التي قام بها مسعود بارزاني إلى ديار بكر والتي أراد أردوغان منها توسيع فتح أبواب كردستان العراق أمام الصناعات التركية الصاعدة والتي ستجد في أسواق كردستان السوق الأكثر نشاطا، ثم ليتكرس الدور التركي الأكثر تأثيرا في سياسات سلطة كردستان وبذلك يستطيع أردوغان أن يسحب من إيران واحدا من الملفات المهمة التي ظلت توظفها في مساعيها لإبتزاز الغرب من بين ملفات أخرى من أجل الحصول على مركز تفاوضي أقوى مع مجموعة 5+1 بشأن البرنامج النووي الإيراني المثير للقلق الإقليمي وللجدل الدولي، واستطاعت أنقرة توظيف العلاقة الجديدة مع البارازاني للتوسط بين الحكومة وحزب العمل الكردستاني التركي الذي يتزعمه عبد الله أوجلان الذي كان يخوض قتالا مريرا ضد الحكومات المتعاقبة في أنقرة منذ 30 سنة.
ونتيجة الشعور المتنامي لسلطة إقليم كردستان العراق بوجود حليف قوي سياسيا واقتصاديا وعسكريا، فقد استندت عليه كوسادة قادرة على توفير الطمأنينة والإستقرار، وربما وجدت تركيا في الأزمات المتناسلة بين حكومة نوري المالكي في بغداد وسلطة أربيل، فرصتها النموذجية لتوسيع استثماراتها الخارجية، حتى وصلت تلك الاستثمارات في مختلف المجالات الصناعية والعقارية إلى أكثر من 12 مليار دولار، وإذا ما أخذنا بنظر الاعتبار أن محاولات تركيا للانضمام للاتحاد الأوروبي قد اصطدمت بحاجز الدين، على الرغم من أن تركيا استجابت للشروط السياسية والاقتصادية التي يضعها الاتحاد المذكور لقبول أي عضو جديد، مما يعني أن على تركيا أن تحول نظرها من الإتجاه الغربي إلى الشرق وخاصة الوطن العربي والعالم الإسلامي، ومرت العلاقات النفطية بين بغداد وأربيل بأزمات حادة وحاولت حكومة بغداد استخدام علاقاتها مع أنقرة لوقف كثير من أشكال التعاون مع إقليم كردستان، وخاصة في مجال نشاط الشركات التركية العاملة في استخراج النفط وتطوير حقول كردستان، إلا أن الحكومة التركية ذهبت أبعد عندما سمحت بتصدير النفط الخام المنتج من حقول نفطية اعترضت الحكومة المركزية في بغداد على الإنتاج منها واعتبرت ذلك خرقا للقوانين المرعية، ولم تكتف الحكومة التركية بالسماح بتصدير النفط بصهاريج بل ساعدت على إقامة خط لنقل النفط ينتهي مع الخط العراقي في ميناء جيهان على المتوسط.
إن العلاقات الاقتصادية تعتبر في عالم اليوم محركا رئيسيا للعلاقات السياسية بين الدول بصرف النظر عن طبيعة نظمها الاجتماعية، ولعل العلاقة بين أنقرة وأربيل ما يجسد هذه الحقيقة، فأربيل تقود مشروعا قوميا إن استمر بقوة الدفع التي يسير فيها حاليا فإنه سيصب في نهاية المطاف وربما ليس في زمن بعيد في تقسيم دول المنطقة بما فيها تركيا، حتى إذا أعطت الحركة الكردية من التطمينات الكافية لأنقرة بأنها لا تمد بصرها إلى خارج الحدود العراقية، فعدوى التغيرات الدراماتيكية التي تقع في المكونات السكانية والحركات السياسية في مناطق متقاربة جغرافيا لا تعرف لها حدودا، لهذا تريد أنقرة تأخير الحلم الكردي إلى زمن ربما لا وجود فيه للسيد أردوغان في الحكم أو الحياة، لأن تركيا تعلم علم اليقين أنها مهما قدمت من تنازلات لأكراد الداخل أو مارست عليهم الضغوط عبر العلاقة المتميزة مع قيادة البارازاني فإنها غير قادرة على إلغاء ذلك الحلم.
فما هي خيارات أردوغان والذي كان له الدور البارز في تهدئة أوضاع أكراد تركيا من دون أن يوجد الحل النهائي لمشكلتهم، وما هو المدى الذي يستطيع أن يذهب فيه مع سلطة إقليم كردستان؟
لا توجد خيارات مفتوحة أمام أردوغان إلى النهاية لأنه يعرف أنه إن تغاضى عما يحصل في شمال العراق فإنما يشجع الأكراد في جنوب تركيا على الذهاب إلى الخيارات نفسها، من دون أن تتوقف المطالبات القومية في تركيا سواء من العرب أو من الأقليات الأخرى، ولكن أردوغان لا يريد إضاعة الفرصة على بلاده وشركاتها الناهضة من جني الأرباح الهائلة خاصة وأن هناك فرصا للبناء وإقامة المشاريع في الجزء الواقع تحت سلطة مسعود بارزاني أي محافظتي أربيل ودهوك، لكن التطورات التي وقعت بعد 10 حزيران/ يونيو الماضي واحـــتلال البيشمـــركة لمديـــنة كركوك التي تضم أكبر تجمع تركماني في العراق إضافة إلى وجود العرب فيها، لا بد أن يحد من المرونة التي يمتلكها أردوغان في تعاطيه مع القضية الكردية العراقية، إذ أن الأحزاب القومية في تركيا ستتعرض لضغـــوط من «أبناء العمومة» في كركوك والذين سيسجلون على تركيا أنها خذلتهم في أكثر الأوقات حراجة وصعوبة، لاسيما وأن العالم الذي هب لتقديم النجدة لبضعة عشرات من الآلاف من اليزيديين، تجاهل مصير مئات الآلاف من التركمان والعرب في كركـــوك وما جاورها من مناطق تقطنها أغلبية تركمانية، وأسوأ ما في المشهد أن تركيا في عهودها الســـابقــة كانت تنتفض إذا تعرض التركمان بمن فيهم الشيعة لأي تصرف حكومي تفسره على أنه اضطهاد لهم.
السنوات الخمس من رئاسة أردوغان قد تشهد قيام دولة «كردستان الجنوبية» ولكن الخبراء السياسيين في العراق وتركيا والمنطقة والعالم يعرفون جيدا أن هناك سايكس- بيكو جديدة تعد للمنطقة وأن تركيا واحدة من ساحات اختبارها، ونستطيع أن نفهم من ذلك أن أكراد تركيا وسوريا هبوا لنجدة إخوانهم أكراد العراق عندما تقدمت قوات «الدولة الإسلامية» نحو مناطق لا صلة لها بكردستان الطبيعية، وكان الهدف من وراء هذا التحرك الذي لم تدنه الولايات المتحدة ولا الاتحاد الأوروبي ولا حتى تركيا، إيجاد الطرق المفتوحة بين الدولة الكردية في شمال العراق والتي سيلتحق بها الإقليم الكردي السوري نتيجة الظروف السورية المعروفة، أما الإقليم الكردي التركي فربما يكون مؤجلا ليس من أجل عيون اردوغان، وإنما لأن خطوة كهذه ستدفع بالقوى السياسية التركية إلى إعادة النظر بما «منح للأكراد من إمتيازات» كما أن ذلك سيدفع بإيران إلى التشدد مع الأكراد الذين يعانون أصلا من قمع قومي باسم الإسلام وولاية الفقيه، ولهذا يدرس أكراد العراق خطواتهم بحذر شديد مع أقل ضجة إقليمية ودولية حتى يستيقظ العالم يوما على وقع مارشات عسكرية تنبئ بولادة دولة قوية على حدود تركيا وتسيطر على أهم مصادر المياه في المنطقة التي تعاني من عطش شديد.
٭ باحث عراقي

د. نزار السامرائي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية