تركيا أنموذج في الثقة بين الشعب والرئاسة

حجم الخط
4

تحاول بعض الأقلام العربية أن تدلي بدلوها في التحليل السياسي والفكري فيما وقع من اختلاف بين تركيا وبعض الدول الأوروبية، التي يتنازعها أقطاب اليمين المتطرف، وبالأخص في هولندا وألمانيا والنمسا.
وذهب بعض الكتاب إلى القول: بأن تركيا وقعت من جراء افتعالها للأزمة مع هولندا إلى ارتكاب خطأ سياسي ودبلوماسي، وحبذا لو أن صاحب هذا الرأي هو نفسه كان من السياسيين العاملين في عالم السياسة أو من الدبلوماسيين داخل دولهم، أو في العالم، لكانت هناك إمكانية لأخذ آرائهم بعين الاعتبار، من وجهة نظر تخصصية أولاً، ومحاولة فهم وجهة نظرهم ثانيا، والاستفادة منها في معرفة كيف وقع الأتراك في خطأ سياسي ثالثاً، ثم في خطأ دبلوماسي رابعاً، ولكن كل من كتبوا لم يكونوا من أصحاب هذا التخصص ولا ذاك، ولذا يبقى رأيهم مشكورا ومحاولاتهم غير موفقة في التحليل السياسي، وغير موفقة في قراءة الأحداث، سواء في القراءة الفكرية أو السياسية، أو في الجمع بينهما، لأن أحدهم قيد الأزمة بمشكلة وزير الخارجية التركي بإصراره على الذهاب إلى هولندا لافتعال الأزمة بحسب قوله، بينما أصل الأزمة هو اليمين المتطرف في هولندا وتحديداً حزب الحرية، فزعيمه يعلن حربه على الاسلام صراحة وعلنا في هولندا، بطريقة تخالف القانون الهولندي والأوروبي معاً، بتصرفاته العنصرية وانتهاك حق حرية الأديان وحرية الرأي والحريات الإنسانية المحترمة في أوروبا، ولذا ينبغي مناقشة القضية من جميع جوانبها وأسبابها وجذورها، وعدم النظر إليها كقضية جزئية متعلقة بالسماح لهذا الوزير بزيارة هذا البلد او ذاك، فشخصنة الأمور أو السلوك مضر لفهم المشكلة من أساسها، ويحول دون الوصول إلى رأي صحيح فيها.
لقد أقام البعض تحليلهم للأزمة بين تركيا وهولندا على فهم خاطئ ومغلوط أولاً، وأقاموا عليه فرضة اعتبروها مسلمة، وأخذوا يحاسبون القيادة التركية عليها، ويبنون عليها أحاكما أو أوهاماً، وللأسف لا يمكن نفي وجود قراءات مغرضة، ونقول للأسف لأنها من كتاب عرب ومسلمين، كان الأحرى بهم ان يأخذوا بمفهوم الآية الكريمة «إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين»، فاعتبار وجهة النظر الهولندية مصدر الخبر الصادق، وأنها طلبت من تركيا عدم إرسال وزير خارجيتها إلى هولندا، وان تركيا خالفت الطلب الهولندي، وبالتالي فإن تركيا هي المتسببة بالأزمة، هذه القراءة تعتبر خاطئة، فلا يحق لأي حكومة في العالم أن تمنع زيارة وزير خارجية لها إلا بإبداء أسباب قانونية ومقبولة دولياً، ووجود انتخابات برلمانية في هولندا لا يبرر لها اتخاذ هذا القرار، كما ان التعذر بأسباب أخرى لا يصح قبولها إلا أن تكون مقبولة دوليا، وهو ما لم تقدم عليه الحكومة الهولندية، وإنما تعاملت مع الوزراء الأتراك بتكبر واستعلاء، بل قامت الشرطة الهولندية بمهاجمة المحتجين الذين حضروا لاستقبال وزيرتهم قرب السفارة التركية في هولندا، بعد ان منعت الشرطة الهولندية وصولها إلى السفارة، وقامت الشرطة بضرب المحتجين وتسليط الكلاب عليهم، وهم مواطنون هولنديون، ولكنهم من أصول تركية، فهذه تصرفات تجاوزت الأخطاء السياسية والدبلوماسية إلى الكراهية لأسباب عنصرية.
والأهم أن وزراء هولنديين أعلنوا عداءهم للإسلام صراحة وطالبوا بإغلاق المساجد فيها، وهم يعنلون كل يوم مئات المرات أن تركيا غير مرحب بها في الاتحاد الأوروبي لأنها دولة مسلمة، فكيف يتم إغفال هذه التصريحات التي تملأ أوروبا منذ ظهور أحزاب اليمين المتطرف فيها، فالشعب التركي وحكومته لا يمكنهما تجاهل هذه التصريحات، وبالأخص أن بعض الوزراء الهولنديين والألمان والنمساويين وغيرهم يتخذون مواقف أيديولوجية ضد الاسلام وضد تركيا، ولذلك لا يمكن عزل الأزمة الحالية بين تركيا وهولندا وبعض الدول الأوروبية عن حرب الاسلاموفوبيا في أوروبا، التي أطلق عليها بعض الأوروبيين «أردوغان فوبيا»، ويكتبون عنه بكل كراهية وحقد وينزعون صوره من المحلات التجارية للأتراك في هولندا، بينما ترفع صور أعداء تركيا.
ولذلك من الخطأ القول بأن: «تركيا لم تخطئ سهواً أو جهلاً ؛ بل أخطأت وهي أعرف الدول بموضع وموضوع خطئها، وأنها وضعت نتائج هذا الخطأ نصب عينيها، كي تصنع منه جسراً تصل به إلى أشياء من خططها المستقبلية»، لأن الأزمة من أساسها ليست من صناعة الساسة الأتراك، كما سبق بيانه، بأنها جزء من أزمة أكبر يصنعها اليمين المتطرف في اوروبا، فوجود مشروع التعديلات الدستورية في تركيا والتحضير للاستفتاء في السادس عشر من الشهر المقبل لا يفرض على تركيا أن تدخل في ازمة مع الأوروبيين، لأن السبب الحقيقي الثاني بعد عنصرية اليمين المتطرف هو فشل الانقلاب العسكري في تركيا في يوليو الماضي، ففشل الانقلاب قهر بعض الساسة الأوروبيين والأمريكيين الذين كانوا يراهنون على سقوط أردوغان أولاً، ويراهنون على تعطيل مشروع النهضة التركية الحديثة والمعاصرة، فالأزمة الحقيقية نشأت بعد أن حقق حزب العدالة والتنمية النجاح الاقتصادي في تركيا، بعد دورته الأولى في الحكم، من عام 2002 وأواخر عام 2006، فقد أدرك المواطن التركي طبيعة الفارق الاقتصادي في مستوى معيشته، قبل حكم حزب العدالة والتنمية وبعده، فكرر انتخاب حزب العدالة والتنمية، وأكد ثقته بأردوغان رئيس الحزب ورئيس الحكومة الديمقراطية في الانتخابات التالية.
وكان الأمر مذهلاً أن يرتفع مستوى المعيشة للمواطن التركي، وأن تعالج تركيا مشاكلها الاقتصادية الداخلية والخارجية، وتسدد ديونها لصندوق النقد الدولي، وأن تصبح بالدورة الثالثة لحكومة حزب العدالة والتنمية من الدول الدائنة لصندوق النقد الدولي، وأن تصبح سادس دولة في العالم في تصدير الصناعات العسكرية الدفاعية، وان تكون دولة اوروبية في المعايير الغربية، ودولة إسلامية بالمعايير الشرقية، فهذا النجاح وبغض النظر عن التهم التي يوجهها الحاسدون أو الكارهون لتركيا في عهد حزب العدالة والتنمية، أو في عهد أردوغان هو نجاح للشعب التركي أولاً، وهو نجاح للأمة العربية والاسلامية ثانيا، وهو نجاح للقيم الحضارية في العدالة والتنمية العالمية، فالمعركة الحضارية التي تخوضها تركيا هي أكبر بكثير من معركة حضور وزير في مؤتمر سياسي هنا أو هناك، فالمعركة هي حضور أمة في السياسة الدولية، فأردوغان عندما يقول بأن العالم أكبر من خمس دول، فإن ذلك يعني أن الاسلام ينبغي أن يكون ممثلا في مجلس الأمن بعضوية دائمة، بينما المعركة الغربية لأكثر من قرن على أقل تقدير أن يبقى الاسلام خارج الفعل الكوني، وخارج التأثير السياسي العالمي، هكذا يفهم الغربيون المعركة مع تركيا وأردوغان، ومن الغريب ان لا يفهمها كذلك بعض الأتراك او بعض العرب أو بعض المسلمين.
فما كان للحكومة التركية أن تنهي المشكلة لو أنها استجابت للطلب الهولندي بعدم ارسال وزير خارجيتها جاويش اغلو الى هولندا لذلك الاجتماع المذكور، لأن الأزمة كانت من قبل ذلك التاريخ أصلاً، ولن تنتهي بعد الاستفتاء بغض النظر عن نتائجه، بل إن التصويت في الاستفتاء بنعم سوف يزيد من الأزمة مع الأوروبيين، لأن الأوروبيين سيقرأون التصويت بنعم على أن تركيا ستواصل مشروع نهضتها في المستقبل، وفق الخطة التي وضعها حزب العدالة والتنمية لتركيا الجديد عام 2023، وهو الأمر الذي يقلق الأوروبيين دون وجه حق، فلا يحق لأوروبا أن تقرر مصير ومستقبل الشعب التركي، فالشعب التركي صاحب القرار في انتخاب الحزب الذي يحكمه، وانتخاب الرئيس الذي يثق به، والشعب التركي وحده صاحب الحق باختيار النظام السياسي الذي يحقق له الحرية والديمقراطية والقوة والعزيمة والنجاح.

٭ كاتب تركي

تركيا أنموذج في الثقة بين الشعب والرئاسة

محمد زاهد غول

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية