إسطنبول ـ «القدس العربي»: في الساعات الأولى من عام 2017 وخلال احتفالات رأس السنة نفذ عبد القادر شارابوف الذي ينتمي إلى تنظيم «الدولة» هجوماً مسلحاً في «ملهى رينا» الواقع على ضفاف مضيق البوسفور في مدينة إسطنبول، حيث قتل 39 شخصاً وأصاب العشرات بينهم عدد كبير من الأجانب في واحدةً من أكثر الهجمات دموية أدت إلى توجيه ضربة كبيرة حملت أبعاداً سياسية واقتصادية وأثرت على قطاع السياحة بشكل غير مسبوق.
ولكن على الرغم من أن هذا الهجوم الصعب افتتح العام في البلاد إلا أنه دفع السلطات إلى مراجعة سياساتها وإجراءاتها الأمنية ما انعكس فعلياً على أرض الواقع، حيث تمكنت قوى الأمن التركية من إحباط عدد كبير من الهجمات الإرهابية التي قالت إن تنظيمي «الدولة» و«بي كا كا» كانا ينويان تنفيذها في العديد من المدن والمحافظات التركية، وبشكل عام لم يشهد العام الجاري، باستثناء هجوم رينا، أي هجمات إرهابية ضخمة في قلب المدن كما حصل في عامي 2015 و2016.
وعلى الصعيد الداخلي، ومنذ بداية العام بدأ حزب العدالة والتنمية الحاكم العمل على تقديم مقترحات التعديل الدستوري إلى البرلمان وسط عاصفة من الجدل السياسي الداخلي مع أحزاب المعارضة التي رفضت التعديلات الدستورية التي تضمنت تحويل نظام الحكم في البلاد من برلماني إلى رئاسي ووصل الأمر حد العراك بالأيادي والكراسي داخل أروقة البرلمان، وفي النهاية تمكن أردوغان بالتحالف مع حزب الحركة القومية المعارض من تمرير حزمة التعديلات الدستورية الأكبر في البلاد بما يضمن توسيع صلاحيات الرئيس بشكل كبير.
وعقب تصويت البرلمان، أحيلت التعديلات الدستورية إلى الاستفتاء الشعبي العام في نيسان/أبريل، وعقب حملة تحشيد هائلة بين الحكومة التي دعت للتصويت بـ«نعم» والمعارضة التي دعت للتصويت بـ«لا» تفوق المصوتون بنعم بفارق لم يتجاوز الـ2 في المئة، ما اعتبر تفوقاً طفيفاً لكنه ضمن لأردوغان البدء بالتحضير لتحويل نظام الحكم في البلاد إلى رئاسي تدريجياً وصولاً للتطبيق الكامل عقب الانتخابات الحاسمة المقرر إجراؤها عام 2019 والتي بدأت الحملات الاستعدادية لها بين الحكومة والمعارضة بشكل مبكر و«شرس» وبموجب التعديلات عاد أردوغان مجدداً ليترأس حزب العدالة والتنمية الحاكم.
الاستفتاء ورغم كونه متعلقا بشأن داخلي تركي، فتح الباب أمام أزمة جديدة وغير مسبوقة في العلاقات بين أنقرة والاتحاد الأوروبي على خلفية اتهام أردوغان لدول الاتحاد بالتضييق على الناخبين الأتراك ومحاولة التأثير على النتيجة ووجه الرئيس التركي اتهامات لدول أوروبية بـ«النازية والفاشية والعنصرية» وأطلقت تهديدات متبادلة غير مسبوقة بوقف مسيرة انضمام تركيا للاتحاد.
وعلى مدار العام واصل أردوغان الحرب على ما يسميه «تنظيم غولن الإرهابي» الذي اتهمه بالمسؤولية عن محاولة الانقلاب الفاشلة، ووصل عدد المعتقلين بهذه التهمة أكثر من 50 ألف مدني وعسكري، بينما تم إنهاء عمل أكثر من 100 ألف شخص من دوائر الحكومة التركية المدنية والعسكرية، وتواصلت المحاكمات بحق المتهمين بالمشاركة المباشرة في محاولة الانقلاب وأطلقت أحكام بعشرات المؤبدات بحق المتهمين، بينما تتواصل محاكمة آخرين، وبالتوازي مع ذلك تواصل تمديد حالة الطوارئ المعلنة في البلاد منذ محاولة الانقلاب وحتى اليوم.
كما شهد العام سقوط سقطت طائرة شحن تركية في قرغيستان قتل فيها 30 شخصاً، سقطت مروحية كانت تقل رجال أعمال في إسطنبول قتل على متنها 7 أشخاص، وفي تونجالي شرقي البلاد قتل 12 شرطياً في سقوط مروحية، فيما قتل 13 عسكريا في سقوط مروحية حربية، يعتقد أنها أسقطت بنيران تنظيم العمال الكردستاني، في حين قتل 25 شخصاً في حادث طرق مأساوي في مايو قرب مدينة إزمير غربي البلاد.
وجرى خلال العام توقيع صفقة شراء تركيا المنظومة الدفاعية إس 400 مع روسيا الأمر الذي فتح الباب واسعاً أمام خلافات جديدة بين تركيا والولايات المتحدة وحلف «الناتو» الذي دخل في أزمة جديدة أيضاً مع أنقرة عقب وضع صور أردوغان وأتاتورك كأعداء في مناورات كان يجريها الحلف في النرويج.
وبينما واصل الجيش التركي تواجده في مناطق جرابلس والباب ودابق ومناطق أخرى جرى الانتشار فيها ضمن عملية درع الفرات، وسع انتشاره في مدينة إدلب ضمن اتفاق مناطق عدم الاشتباك الموقع مع روسيا وإيران، فيما يسعى ويهدد بتوسيع انتشاره في محافظة عفرين التي تسيطر عليها الوحدات الكردية شمالي سوريا، وطوال العام واصلت تركيا تنسيقها مع روسيا وإيران وصولاً لمؤتمر «سوتشي» في مسعى لحل الأزمة السورية، وفي تشرين الثاني/نوفمبر جدد البرلمان تفويضه للجيش التركي بالقيام بعمليات عسكرية خارج الحدود في سوريا والعراق.
وبينما اعتبرت تركيا استفتاء انفصال إقليم كردستان العراق خطراً قومياً عليها، أقامت تعاوناً غير مسبوق مع الحكومة العراقية المركزية وإيران وتم فرض عقوبات مشتركة على إدارة الإقليم ونجحت الدول الثلاث في إفراغ الاستفتاء من مضمونه وإفقاده أي أثر فعلي على الأرض، وبالتوازي مع ذلك صعد الجيش التركي حربه ضد تنظيم العمال الكردستاني وأعلن مقتل وإصابة المئات من عــناصـــر التنظيم داخل البلاد وشمالي العراق.
وقبيل نهاية العام، ضغط أردوغان للقيام بحملة تغييرات واسعةً داخل حزب العدالة والتنمية وحكومته استعداداً للانتخابات المقبلة، وأجبر رؤساء البلديات الكبرى في إسطنبول وأنقرة وبورصة وبالكسير وغيرها على الاستقالة وجرى انتخاب رؤساء جدد من داخل الحزب.
وفي الشهر الأخير، وقفت تركيا بقوة في وجه قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل وأطلق الرئيس التركي تصريحات حادة ضد واشنطن وتل أبيب، فيما دعا أردوغان إلى قمة إسلامية طارئة في إسطنبول طالبت بالاعتراف بالدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية ودعم صمود أهالي القدس.
وتزامن ذلك مع تصاعد قضية رجل الأعمال التركي المعتقل في أمريكا رضا زراب الذي وصفت أنقرة محاكمته بأنها مؤامرة سياسية واقتصادية تستهدف الدولة التركية بشكل مباشر.
وعلى الصعيد الاقتصادي ورغم ارتفاع نسبة التضخم في البلاد ورفع نسبة الضرائب بشكل لافت، تحدثت الحكومة عن تحسن لافت في أداء الاقتصاد التركي الذي سجل صادرات تاريخية بلغت قرابة 180 مليار دولار، مع وصول 32 مليون سائح إلى البلاد، واستمرار افتتاح ووضع أحجار الأساس لعدد من المشاريع الضخمة في البلاد ومنها مطارات ومستشفيات ضخمة وجسور.
إسماعيل جمال