تركيا: العام الأسوأ منذ عقود محاولة انقلاب وتفجيرات دموية وأزمة اقتصادية

حجم الخط
4

إسطنبول ـ «القدس العربي»: شهد عام 2016 في تركيا تطورات دراماتيكية اعتبرت الأسوأ منذ سنوات طويلة. فبعد تصاعد الهجمات الإرهابية الدموية والخلافات السياسية الداخلية باغتت البلاد محاولة انقلاب عسكرية، فيما اضطر الجيش التركي لإرسال قواته إلى سوريا والعراق وسط أزمة اقتصادية يتوقع أن تظهر آثارها بشكل أكبر خلال العام المقبل، واختتمت هذه الأحداث باغتيال السفير الروسي في أنقرة.
وفي الخامس عشر من تموز/يوليو الماضي شهدت تركيا محاولة انقلاب فاشلة، بدأت بتحرك وحدات كبيرة من الجيش نحو المرافق الحيوية والسيادية في إسطنبول والعاصمة أنقرة، وبعد أن أوشكت المحاولة على السيطرة على زمام الأمور في البلاد تمكن الرئيس رجب طيب أردوغان من قلب المعادلة بعد أن نجا من محاولة اغتيال كانت تستهدفه في الفندق الذي كان يرتاده بمدينة مرمريس غرب البلاد.
فبعد خطاب تلفزيوني بواسطة الهاتف النقال بثته الفضائيات التركية خرج مئات آلاف المواطنين الذين وقفوا أمام الدبابات وتمكنوا من سحب الجنود من داخلها وسحلهم في الشوارع، وفشلت المحاولة بسقوط أكثر من 250 قتيلا ومئات الجرحى، وبتوحد جميع القوى السياسية وأحزاب المعارضة ضد المحاولة التي وصفت بالخيانة الكبرى للبلاد.
وبعد أن اتهم أردوغان حليفه السابق زعيم جماعة الخدمة فتح الله غولن بقيادة المحاولة عبر «كيان موازي» أقامه داخل دوائر الدولة التركية، خاض الرئيس حملة تطهير غير مسبوقة ضد كل المشتبه بولائهم لزعيم الجماعة أسفرت عن إقالة أكثر من 100 ألف من موظفي الجيش والشرطة والوزارات المدنية، واعتقال أكثر من 35 ألفا آخرين بتهمة المشاركة في المحاولة الانقلابية، إلى جانب إغلاق مئات المؤسسات والقيام بتغييرات هيكلية في الدولة بشكل عام لا سيما الجيش الذي أحكم أردوغان السيطرة عليه بعد سنوات طويلة من استعصاءه عليه، في حين يتوقع أن يشهد العام المقبل محاكمات المتهمين وسط مطالب بتنفيذ عقوبة الإعدام.
شهدت الهجمات الإرهابية التي تزايدت في تركيا خلال السنوات الأخيرة بالتزامن مع الأزمة السورية تصاعداً كبيراً خلال عام 2016، حيث نفذ تنظيما الدولة وحزب العمال الكردستاني سلسلة هجمات إرهابية دامية أدت إلى زعزعة أمن البلاد وتوجيه ضربة غير مسبوقة للسياحة والاقتصاد.
الهجوم الأعنف والأخطر نفذه تنظيم «الدولة» في الثامن والعشرين من حزيران/يونيو في مطار أتاتورك الدولي وسط إسطنبول وأسفر عن مقتل 43 شخصاً وإصابة مئات آخرين وأدى إلى توجيه الضرر الأكبر باقتصاد البلاد بسبب تخريب موسم السياحة.
وبينما ركز تنظيم «الدولة» على ضرب السياحة بتنفيذ هجمات انتحارية في مناطق السلطان أحمد والتقسيم أبرز معالم المدينة السياحية وضرب الأكراد في أنقرة وديار بكر وغازي عنتاب، نقل المتمردون الأكراد هجماتهم من الجبال والمدن الجنوبية والشرقية إلى قلب أنقرة وإسطنبول ونفذوا سلسلة هجمات بسيارات مفخخة خلفت مئات القتلى وآلاف الجرحى وكان آخرها تفجيرات قيصري وإسطنبول.
وفي محاولة لمواجهة التحديات الأمنية المتزايدة المقبلة من المنظمات الإرهابية في سوريا والعراق كما تقول الحكومة اعتمد الجيش استراتيجية جديدة تتمثل في «مواجهة العدو في أرضه» وأطلق عملية «درع الفرات» ضد تنظيم «الدولة» والوحدات الكردية في شمالي العراق.
ولأول مرة زج الجيش التركي بعشرات المدرعات وآلاف الجنود إلى سوريا وتمكن من تطهير الشريط الحدودي من مسلحي التنظيم ومدن جرابلس ودابق ويخوض خلال الأيام الأخيرة أعنف المعارك وحرب الشوارع مع التنظيم في مدينة الباب الاستراتيجية في محاولة لإحكام السيطرة عليها وسط خسائر كبيرة للجيش التركي الذي فقد في الأيام الأخيرة فقط أكثر من 20 من جنوده هناك.
وخاض الجيش في إطار هذه العملية مواجهات محدودة مع المتمردين الأكراد لكنه يهدد بالتوجه للسيطرة على مدينة منبج التي يسيطر عليها حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي عقب إتمام السيطرة على مدينة الباب في خطوة ترفضها واشنطن وقد تفتح الباب لمزيد من الخلافات الأمريكية التركية في سوريا. ودفع الجيش التركي بمزيد من التعزيزات العسكرية إلى معسكره في مدينة بعشيقة شمال العراق وسعى بقوة للمشاركة في عملية تحرير مدينة الموصل من تنظيم «الدولة» قبل أن يحصر عملياته وسط مخاوف اشتباك عسكري مع الجيش العراقي والميليشيات الشيعية التي تطالب بخروجه من أراضيها وهددت بمهاجمته في أزمة لم تنته تداعياتها بعد.
مجمل الأزمات السياسية والأمنية التي تصاعدت في البلاد خلال العام الجاري خلفت أزمة اقتصادية غير مسبوقة وهددت بوقف النمو الاقتصادي والنهضة الكبيرة التي أحدثها حزب العدالة والتنمية منذ 14 عاماً من سنوات حكمه للبلاد ويتوقع أن تتصاعد خلال العام المقبل.
وخلال عام فقط فقدت العملة التركية «الليرة» قرابة نصف قيمتها وسعت الحكومة وأردوغان لمواجهة هذه الأزمة بالدعوة لحملات وطنية لتشجيع المواطنين على دعم العملة الوطنية والاقتصاد، وسط حالة من الركود في مجالات الاستثمار والعقارات التي كانت أكبر المتضررين من الأزمة.
منذ سنوات سعى أردوغان إلى تحويل نظام الحكم في البلاد من برلماني إلى رئاسي وسط معارضة شديدة من الأحزاب، لكن الأسابيع الأخيرة شهدت تطورات لصالح مخطط الرئيس بعدما توصل حزب العدالة والتنمية الحاكم إلى توافق مع حزب الحركة القومية المعارض على صيغة لتعديلات دستورية تشمل تحويل نظام الحكم إلى رئاسي.
ومن المتوقع أن تُعرض التعديلات المقترحة للتصويت في البرلمان بداية العام المقبل، وتضمن عدد المقاعد التي يسيطر عليها الحزبان الأصوات المطلوبة لعرض التعديلات على الاستفتاء الشعبي العام في الربيع المقبل ليتمكن بذلك أردوغان من تحقيق هدفه المنشود.
وقبل أن يطوي العام الساخن في تركيا آخر أيامه، أقدم شرطي تركي على اغتيال السفير الروسي في العاصمة أنقرة في مشهد دراماتيكي بثته الفضائيات وأعاد إلى الأذهان مشهد إسقاط الطائرة الروسية من قبل مقاتلات حربية تركية نهاية العام الماضي وخلفت أزمة سياسية غير مسبوقة بين أنقرة وموسكو.
لكن في هذه المرة تمكن بوتين وأردوغان من احتواء الأزمة سريعاً وأكدا على أن ما حدث «مؤامرة هدف المخططون لها من خلالها إلى الإضرار في العلاقات بين البلدين» لكن مراقبين أكدوا على أن بوتين سوف يستغل الحادثة في مزيد من الضغط على تركيا لتقديم تنازلات في الملف السوري.

تركيا: العام الأسوأ منذ عقود محاولة انقلاب وتفجيرات دموية وأزمة اقتصادية

إسماعيل جمال

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية