إسطنبول ـ «القدس العربي»: في ساحة مسجد السلطان أحمد التاريخية والتي تضم متحفي آيا صوفيا وتوب كابي «الباب العالي» وسط مدينة إسطنبول، بات بإمكانك مجدداً أن تشاهد الازدحام الكثيف وقوافل السياح العرب والأوروبيين والآسيويين بكثرة، في مشهد تقلص بشكل كبير جداً خلال العاميين الماضيين على وجه التحديد بعد أن عانت البلاد من آثار الهجمات الإرهابية الدموية والأزمات السياسية الداخلية والخارجية.
هذه الهجمات والأزمات التي تسببت في تراجع الأوضاع الاقتصادية بشكل عام، وجهت ضربة قاسية جداً للسياحة التي تعتمد عليها قطاعات واسعة في مدينة إسطنبول الواجهة الأولى للسياح في البلاد الذين وصل عددهم قبيل الأزمة إلى نحو 40 مليون سائح سنوياً.
ومنذ اندلاع الأزمة السورية بدأت السياحة في تركيا بالتراجع تدريجياً وصولا لسلسة الهجمات الإرهابية التي بلغت ذروتها في العامين الأخيرين وطالت ساحة تقسيم ومسجد السلطان أحمد وقرب جامعة اسطنبول وأخيراً ملهى رينا الليلي الذي قتل فيه 39 شخصاً معظمهم من الأجانب في ليلة رأس السنة، يضاف إلى ذلك الأزمات السياسية الداخلية التي مرت بها البلاد وكان أبرزها محاولة الانقلاب الفاشلة في يوليو/تموز الماضي. وبحسب الأرقام الرسمية الصادر عن وزارة الثقافة والسياحة التركية فإن 25 مليون سائح زاروا تركيا في عام 2016 بتراجع بلغ 30%، بعد أن كان عدد السياح في عام 2015 أكثر من 36 مليون، وانخفضت عائدات السياح إلى قرابة 22 مليار دولار بما يعادل تراجع يلغ 30% أيضاً، في المقابل كان عام 2014 قد شهد أعلى معدل في عدد السياح الذي بلغ 41 مليون قبل أن يبدأ بالتراجع.
وتتوقع تركيا استقبال 38 مليون سائح من أنحاء العالم خلال العام الحالي، وفق تصريحات سابقة لرئيس اتحاد شركات السياحة التركية، باشران أولوصوي، الذي أكد أن العدد الأكبر من السياح يأتي من روسيا، وأوكرانيا، وبريطانيا ودول الشرق الأوسط. ومع حلول الصيف وانطلاق موسم السياحة في عموم البلاد وإسطنبول التي تستحوذ على قرابة 40% من هؤلاء السياح، بدأت مؤشرات على إمكانية مرور موسم سياحي أقوى من السنوات الماضية، لا سيما وأن البلاد تشهد استقراراً أمنياً منذ بداية العام وسياسياً خلال الأسابيع الأخيرة وهو ما دفع أصحاب شركات السياحة والفنادق إلى التفاؤل بموسم سياحي أفضل. لكن خطر الهجمات الإرهابية يبقى قائماً، حيث قتلت قوات الأمن التركية، الأحد، مسلحين من تنظيم الدولة في العاصمة أنقرة، قالت إنها تمكنت بقتلهما من إفشال هجوم دموي كانا يخططان لارتكابه قريباً، لكنه في نفس الوقت مؤشراً على تكثيف الجهات الأمنية جهودها لمنع الهجمات والتي توقفت تقريباً منذ بداية العام الحالي. يقول محمد كايا سائق أحد التكاسي بمدينة إسطنبول: «تعبنا من تراجع أعداد السياح خلال العامين الماضيين، الأمور تبدو مشجعه الآن، نأمل أن يتدفق السياح لإسطنبول أكثر من السابق، الجميع يتضرر من تراجع السياحة، والخوف من الإرهاب قائم في كل العالم وليس اسطنبول فقط». بينما يقول أحد العاملين بأحد الفنادق بمنطقة تقسيم وسط المدينة: «شهدنا العام الماضي أسوأ السنوات على الإطلاق، كان الفندق شبه متوقف.. خفضوا رواتبنا وفصلوا زملاء لنا كانوا يعملون معنا هنا، الأمور في الأسابيع الأخيرة تبدو أفضل نأمل أن ينتهي كابوس الإرهاب وتعود السياحة كما كانت عليه بالسابق».
وقبل يومين، بدأت بلدية إسطنبول في هدم «نادي رينا» الذي شهد الهجوم الدموي الذي أوقع 39 قتيلاً ليلة رأس السنة في منطقة أوتاكوي السياحية على ساحل البوسفور، بعد أن كان متوقعاً عودته للعمل قريباً، وذلك في خطوة لم تعلن أسبابها المباشرة ولكن ترجيحات قالت إنها تهدف إلى إزالة أثره واسمه عن المدينة لارتباطه بهجوم دموي يؤثر على السياحة في المدينة. وفي مدينة أنطاليا على ساحل البحر المتوسط غربي البلاد، بدأ السياح الروس بالعودة تدريجياً إلى المدينة التي كان يصل عدد زائريها الروس إلى أكثر من 4 مليون سنوياً غاب 80% منهم عقب أزمة الطائرة بين البلدين وقرار السلطات الروسية وقف السياحة إلى تركيا، لكن ومع عودة العلاقات ورفع الحظر من قبل موسكو، تتوقع المدينة مبدئياً وصول قرابة مليون ونصف سائح روسي هذا العام.
وحسب رئيس اتحاد مشغلي الفنادق السياحية «طيار غول» فإن نسبة امتلاء الفنادق في منطقة كمر بأنطاليا التي يرتادها السياح الروسي بلغت 80%، ولفت إلى أنه يتوقع أن تصل نسبت إشغال الفنادق إلى 100% مع العودة القوية للسياح الروسي على حد تعبيره.
لكن السياح الألمان الذين ما زالوا يحتلون المركز الأول بين السياح القادمين إلى تركيا تراجعت أعدادهم بشكل كبير، بعد أن قتل 11 سائحاً منهم في هجوم انتحاري بساحة السلطان أحمد باسطنبول، كما أدت الخلافات السياسية المتصاعدة بين أنقرة وبرلين إلى تراجع أعدادهم بشكل أكبر.
وفي مقابل التراجع في عدد السياح الأوروبيين بشكل عام، عملت الحكومة التركية على تقديم تسهيلات واسعة من أجل وصول أعداد أكبر من السياح العرب لا سيما من دول مجلس التعاون الخليجي الذين بالفعل ارتفعت أعدادهم بشكل كبير جداً خلال العامين الأخيرين، بالإضافة إلى أنهم يعتبرون من السياح المفضلين كونهم ينفقون بشكل أكبر بكثير من باقي السياح. واستقبلت تركيا العام الماضي، نحو 823 ألف سائح خليجي بزيادة 27% عن 2015، وفق مكتب الثقافة والإعلان في القنصلية التركية لدى دبي. حسين كرك، رئيس اتحاد وكالات السياحة والسفر في الشرق الأوسط «أوستاد»، لفت بأن تركيا بدأت تنفذ خطة لتحفيز السياحة بهدف استقطاب 5 مليون سائح خليجي، وقال: «العرب يمثلون 10% فقط من عدد السياح القادمين إلى تركيا؛ وخلال السنوات الثلاثة الأخيرة زار البلاد 7 ملايين سائح عربي؛ منهم 700 ألف خليجي». وزير الثقافة والسياحة التركي، نابي أوجي، قال قبل أيام إن بلاده تعمل على مشاريع من شأنها أن تزيد من اهتمام الشباب وخاصة العربي بتركيا، لافتاً إلى أن بلاده كثّفت في الفترة الأخيرة من نشاطات التعريف بتركيا في البلدان العربية خاصة، في ضوء إستراتيجية تنويع أهداف السياحة التركية.