إسطنبول ـ «القدس العربي»: يسابق الأتراك رسمياً وشعبياً الزمن من أجل الخروج بأقل الأضرار والخسائر واحتواء أزمة اقتصادية أصبحت واقعا في البلاد عقب سنوات من النهضة والنمو الاقتصادي وذلك نتيجة التغيرات الدولية والحروب في المنطقة والهجمات الإرهابية بالإضافة إلى محاولة انقلاب فاشلة كلفت البلاد الكثير.
وعقب انخفاض تاريخي غير مسبوق في قيمة العملة التركية «الليرة» أمام الدولار الأمريكي، دعا الرئيس رجب طيب أردوغان، قبل أيام، المواطنين الأتراك إلى تحويل مدخراتهم من العملات الأجنبية إلى الليرة التركية أو الذهب، لدعم النمو الاقتصادي في البلاد ووضع حد للانخفاض المتواصل لـ»الليرة»، قائلاً: «العملات الأجنبية تستخدم كأداة ضغط حاليًا (…) لماذا تبقون مدخراتكم من هذه العملات التي لا مقابل لها، تعالوا نحوّلها إلى عملتنا الوطنية».
وأكد أردوغان أن ذلك من شأنه أن «يُساهم في إفشال المؤامرات التي تستهدف تركيا واقتصادها»، ودعا الشركات المحلية والأجنبية إلى الاعتماد على تركيا والثقة بها، وزيادة حجم استثماراتها خلال المرحلة المقبلة «من أجل مستقبل البلاد والمواطنين»، وتابع: «لا تقلقوا أبدًا، فنحن نستطيع إفشال هذه المؤامرات خلال فترة وجيزة، لأن تلك الأطراف مارست الشيء ذاته في 2007 ـ 2008، وقلت حينها إننا سنتجاوز ذلك بأقل الخسائر واليوم أكرر ذلك مجددًا».
وفي أول استجابة لنداء أردوغان قررت بورصة إسطنبول، الجمعة، تحويل جميع أصولها النقدية إلى الليرة التركية، وقالت في بيان لها: «قررنا تحويل جميع الأصول النقدية إلى الليرة التركية اعتبارًا من 2 كانون الأول/ ديسمبر وذلك دعمًا لنداء رئيس الجمهورية رجب طيب أردوغان، ووضعها في حسابات الليرة». وفي ظل الدعوات المتكررة والملحة لأردوغان من أجل خفض نسب الفائدة في البلاد، أعلن البنك المركزي التركي، قبل أيام، رفع سعر الفائدة الرئيسية خمسين نقطة بعد فترة طويلة من خفض الفائدة. إلا أن العملة لم تشهد سوى ارتفاع طفيف وعاودت الهبوط. كما اجتمع رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم مع كبار المسؤولين الاقتصاديين ـ مجلس التنسيق الاقتصادي-، الجمعة، للمرة الثالثة خلال أسبوعين وتم اتخاذ قرار باعتماد تدابير عدة لدعم الإنفاق العام والقطاع المالي والمصرفي وأسواق العقارات والعمل.
وبينما أكد أردوغان على أن بلاده سوف تتجاوز هذه الأزمة، شدد رئيس الحكومة التركية بن علي يلدريم على أن «الاقتصاد التركي قائم على أسس صلبة» وان السلطات التركية مصممة على «إزالة كل مظاهر القلق وحتى البسيطة منها لدى الأسواق والمستثمرين ورجال الأعمال».
والأحد أيضاً، قال أردوغان، إنّ «بعض الجهات تسعى من خلال استخدام سلاح الفائدة (المالية) وتحركات سوق الأسهم والعملات، إلى إنجاح محاولة الانقلاب الذي فشلوا في تنفيذه عبر جناة تلطخت أيديهم بالدماء»، معتبراً أن: «لجهات التي فشلت في عرقلة تقدم تركيا عبر أعوانها الذين يرتدون اللباس العسكري، بدأت في الآونة الأخيرة باستخدام أعوانهم الذين يملكون المال لتحقيق مآربهم ضدّ البلاد».
وطوال الأسابيع الماضية واصلت الليرة التركية تحطيم أرقام قياسية في الهبوط أمام الدولار وبعد أن كان سعر الصرف 2.2 قبل أكثر من عام و2.9 قبل أسابيع، وصل قبل يومين إلى 3.57، واستقر الاثنين عند 3.54 ليرة لكل دولار، لتكون بذلك قد خسرت 10٪ من قيمتها خلال الشهر الأخير فقط.
لكن الأبرز هي الاستجابة الشعبية التي انتشرت، الأحد والاثنين، بشكل بارز وظهرت بشكل واضح على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تؤمن شريحة واسعة من الشعب التركي بوجود «مؤامرة دولية» ضد بلادهم وشخص الرئيس أردوغان بسبب مواقفه السياسية، بالإضافة إلى تجدد «محاولة الانقلاب من خلال الاقتصاد».
وعلى موقع التغريدات القصيرة «تويتر» كُتبت قرابة 200 ألف تغريدة على وسم «أردوغان لست وحدك» ركزت في عمومها على دعم أردوغان ومواقفه السياسية والاقتصادية، معبرين عن ثقتهم بإدارة حزب العدالة والتنمية الحاكم ومعتبرين ما يحدث «مؤامرة دولية».
وكتب المغردون عبارات: «نحن معك أردوغان»، «ندعمك حتى النهاية»، «سنفشل المؤامرة الدولية سوياً»، «لن نتخلى عنك حتى آخر نفس»، «الأمة التركية جميعها تدعوا لك بالتوفيق وعبور المؤامرة»، «الله معك يا رئيسنا»، ونشرت آلاف الصور للرئيس التركي بجانب عشرات آلاف الكتابات الأخرى على «فيسبوك».
وفي سياق متصل، بدأ رجال أعمال وتجار ومواطنين حملات واسعة لتشجيع المواطنين على تلبية دعوة أردوغان بتحويل العملات الأجنبية إلى العملة المحلية وذلك من خلال تقديم امتيازات مالية لكل مواطن يجلب «سند رسمي» يثبت قيامه بتحويل مبلغ معين من الدولار إلى الليرة التركية.
وبينما أعلن «غالب أوزتورك» أحد أكبر رجال الأعمال في البلاد صاحب أكبر شركة نقل ركاب بتركيا منح تذكرة سفر مجانية لكل من يقوم بتحويل مبلغ 500 دولار إلى الليرة التركية، بادر المئات من أصحاب المطاعم والمتاجر المتوسطة وحتى الصغيرة لتقديم عروض مشابهة لكل من يجلب إثبات قيامته بتحويل مبلغ مبالي محدد.
وقالت مصادر اقتصادية تركية، الاثنين، إن معدل عمليات تحويل الأموال من الدولار إلى الليرة ارتفع بنسبة 25٪، فيما أعلنت رئاسة الشؤون الدينية أنها ستحصل رسوم الحج والعمرة بالليرة التركية بدلاً من الدولار تطبيقاً لتوصيات أردوغان الأخيرة.
وأدى التراجع الاقتصادي وانخفاض قيمة العملية المحلية إلى ارتفاع مستوى التضخم، مع توقعات بحصول ارتفاع في الأسعار بشكل عام بدأ فعلياً مع إعلان رفع ضريبة الاستهلاك الخاص على المشروبات الكحولية ومنتجات التبغ، بالإضافة إلى رفع أسعار الوقود والغاز وضريبة السيارات.
الانخفاض الأخير لسعر الليرة التركية جاء مؤخراً بفعل الاهتزاز الذي شهدته العديد من الدول عقب فوز دونالد ترامب بانتخابات الرئاسة الأمريكية، وما أعقبه من قرار البرلمان الأوروبي بتجميد مفاوضات انضمام تركيا للاتحاد بسبب حملة التطهير التي تقوم بها الحكومة منذ محاولة الانقلاب الفاشلة في البلاد منتصف يوليو/تموز الماضي.
لكن مشاكل الاقتصاد التركي لا تتعلق بأزمة سعر الصرف الأخيرة، فهذا الاقتصاد عانى كثيراً بفعل الحروب والأزمات المتلاحقة في دول الجوار لا سيما في سوريا والعراق وتحمل تركيا أعباء أزمة اللاجئين، وإرسالها قوات عسكرية إلى سوريا والعراق بالتزامن مع توسيع الحرب على حزب العمال الكردستاني داخل وخارج البلاد ما كلف خزينة الدولة مصاريف جديدة أثقلت من كاهلها.
وبجانب ذلك تمر السياحة في البلاد في أسوأ مراحلها بسبب سلسلة من الهجمات الإرهابية استهدفت العديد من المعالم والمناطق السياحية في اسطنبول وأنقرة، وأدت إلى إخافة المستثمرين، بينما يعاني قطاع العقارات من ضعف كبير في الإقبال رغم لجوء الشركات الكبرى إلى الاستثمار في بناء عشرات الآلاف مع الشقق في مجمعات سكنية راقية في إسطنبول والمحافظات التركية الأخرى.
ويضاف إلى ذلك كله، الفاتورة الباهظة التي دفعتها البلاد نتيجة محاولة الانقلاب الفاشلة وما تسببت به من خسائر اقتصادية مباشرة وغير مباشرة تمثلت في إغلاق مئات الشركات واعتقال مئات رجال الأعمال بتهمة الانتماء إلى جماعة غولن المتهمة بتدبير محاولة الانقلاب، وإعلان حالة الطوارئ في البلاد، حيث لم تظهر النتائج السلبية للانقلاب بشكل سريع وبرزت خلال الأسابيع الأخيرة فقط.
وحسب أرقام نشرتها وكالة رويترز للأنباء فقد انخفض الاستهلاك بنسبة 2٪ خلال الفصل الثاني، ووصلت نسبة البطالة إلى 11،3 ٪، وتراجع الإنتاج الصناعي خلال أيلول/سبتمبر بنسبة 3،1٪ ما سيعني تراجع النشاط الاقتصادي في البلاد خلال الفصل الثالث من العام 2016 للمرة الأولى منذ عام 2009. وفي حين كانت الحكومة التركية تتوقع نسبة نمو للعام 2016 تصل إلى 4،5٪ فإنها عادت وتوقعت أن تكون 3،2٪.
وتحاول الحكومة إعادة تشجيع الاستثمار من خلال المزيد من التخفيضات الضريبية المؤقتة لتعزيز النمو، لكن مراقبون يتوقعون أن تستمر المشاكل الاقتصادي في البلاد بالظهور خلال العام المقبل وتوسعها إذا لم تتخذ الحكومة التركية إجراءات وإصلاحات جذرية تساهم في احتواء الأزمة.
إلى ذلك، يبحث رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم، اليوم الثلاثاء، في موسكو مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وكبار المسؤولين الروس ملفات حلب ودرع الفرات في سوريا، مع أعطاء أولوية أكبر للمباحثات الاقتصادية وإمكانية البدء بأول «خطوة ملموسة» للتعامل بالليرة والروبل في التعاملات التجارية بين البلدين بدل الدولار الأمريكي.
وتعتبر زيارة يلدريم إلى موسكو خطوة جديدة على طريق تحسين العلاقات بين تركيا وروسيا التي توترت عقب إسقاط طائرات حربية تركية مقاتلة روسية على الحدود مع روسيا، وتسعى تركيا من خلال هذه الزيارة إلى تعزيز التنسيق مع موسكو حول التطورات المتلاحقة في مدينة حلب السورية، بالإضافة إلى عملية درع الفرات التي يخوضها الجيش التركي في شمالي سوريا.
ويتوقع مراقبون أن يسعى يلدريم لتحقيق تقدم في التعاون الاقتصادي مع روسيا في مسعى لتعزيز الإجراءات الحكومة الهادفة لاحتواء أزمة اقتصادية بدأت تتزايد مؤشراتها على الاقتصاد التركي، لا سيما عقب هبوط سعر صرف الليرة التركية إلى مستويات قياسية أمام الدولار الأمريكي.
مصادر تركية قالت إن زيارة يلدريم التي يرافقه فيها عدد كبير من رجال الأعمال الأتراك سوف «تناول الخطوات التي سيتم الإقدام عليها في المجال التجاري بين البلدين من قبيل رفع الحظر عن تصدير الخضار التركية إلى روسيا واستخدام العملة المحلية في التعامل التجاري بين البلدين و تأسيس منطقة تجارية حرة فضلاً عن التطرق إلى النشاط السياحي».
والاثنين، قال مكتب يلدريم إن بلاده وروسيا ستأخذان أول «خطوة ملموسة» تجاه التعامل التجاري بالليرة التركية والروبل الروسي خلال زيارته إلى روسيا، دون إبداء مزيد من التفاصيل حول الموضوع.
ويبلغ حجم التبادل التجاري بين أنقرة وموسكو نحو 30 مليار دولار سنويا، إلا أنه تراجع عن هذا المستوى بعد اندلاع الأزمة بين البلدين، لكن الطرفين يخططان، بعد تطبيع العلاقات، للارتقاء بالتجارة بينهما إلى 100 مليار دولار.
ويرى خبراء اقتصاديون أن فكرة اعتماد العملة المحلية في عمليات التبادل التجاري بين روسيا وتركيا، من شأنها أن تفتح آفاقا جديدة في العديد من المجالات، كزيادة حجم التجارة، وتعزيز السياحة، وخلق فرص عمل.
إسماعيل جمال