إسطنبول ـ «القدس العربي»: بعد الصين الصاحب الأول للمشروع، تُبدي تركيا حماساً منقطع النظير لإعادة العمل بـ«طريق الحرير» التاريخي الذي يطلق عليه «طريق الحرير الجديد» وسط آمال كبيرة بأن يؤدي ذلك إلى ثورة في موقعها الجيوسياسي وتعزيز مكانتها الدولية كمركز بين قارات العالم، بالإضافة إلى تحررها من العديد من القيود وتحقيق مكاسب اقتصادية كبيرة.
وترى تركيا في هذا المشروع بارقة أمل في تحررها من مجموعة من القيود الغربية في التجارة والنقل البحري والجوي والبري وفتح آفاق واسعة في خططها لتعزيز تواصلها السياسي والاقتصادي مع آسيا وإفريقيا، والأهم فتح طرق جديدة للوصول إلى «الجمهوريات التركية» في آسيا الوسطى بعيداً عن الطرق التي تمر من روسيا وإيران.
وكانت العاصمة الصينية بكين، احتضنت مؤخراً أعمال «منتدى الحزام والطريق للتعاون الدولي» الأكبر في تاريخ البلاد، بمشاركة 1500 مندوب من 130 بلدًا و70 منظمة دولية، وبحضور زعماء 29 دولة. ويهدف المنتدى إلى توسيع أنظمة المعايير الفنية وخطط البنية التحتية للبلدان التي تقع في طريق «الحزام والطريق»، وتعزيز النقل المتكامل، وممرات النقل البرية والبحرية والجوية على صعيد القارات.
طريق الحرير التاريخي
على الرغم من أن مصطلح «طريق الحرير» حديث نسبياً إلا أنه أطلق على شبكة التجارة والمواصلات التي ربطت بالدرجة الأولى بين الصين والغرب بدءاً من القرن الثاني قبل الميلاد ولاحقاً بين الصين وآسيا الوسطى، واقتصر في البداية على خطين بري وبحري يربطان جنوب وشرق آسيا بأوروبا واستخدما للنقل التجاري.
وتذكر كتب التاريخ أن تسميته جاءت لأن الصين صدرت من خلال هذا الطريق الحرير إلى العالم بعد أن احتكرته وأبقت سره لنحو ثلاثة آلاف سنة، كما اشتهر الطريق بتصدير التوابل من الصين إلى العالم.
ومنذ القرون الوسطى تطور الطريق وفتحت خطوط بحرية جديدة انطلقت بالدرجة الأولى من شبه الجزيرة العربية، حيث لعب العرب دوراً مهماً في تجارة طريق الحرير بسبب موقعهم الجغرافي الرابط بين آسيا وأوروبا وكان الطريق وسيلة لنشر الإسلام والتبادل الثقافي والفكري بين الشعوب.
طريق الحرير الجديد
بأسماء مشابهة، تصدرت الصين محاولات إعادة إنشاء طريق الحرير، وذلك بمخططات ومشاريع للبنى التحتية الرامية إلى ترسيخ العلاقات التجارية للصين مع قارات آسيا وأوروبا وأفريقيا، وأطلق عليه الرئيس الصيني شي جينبينغ عام 2013، اسم «الحزام والطريق».
وقالت الصين آنذاك إن خطتها تتضمن نحو ألف مشروع، منها ربط الدول الأوروآسيوية التي يمر بها الطريق بشبكة من الطرق البرية والحديدية وخطوط الطيران، فضلا عن الأنابيب وشبكات الإنترنت، وهو ما يهيئ الظروف اللازمة للتنمية الاقتصادية.
وسبق ذلك أن هيئت الصين لرؤيتها الجديدة بالعمل على بناء ما عرف بالجسر البري الأوروبي الآسيوي، الذي يصل بين الصين وكزاخستان ومنغوليا وروسيا ويصل إلى ألمانيا بسكك حديدية.
وبشكل عام، يتضمن «طريق الحرير الجديد» حزام بري يربط إمبراطورية الوسط بأوروبا الغربية عبر آسيا الوسطى وروسيا، وطرق بحرية تتيح الوصول إلى أفريقيا وأوروبا عبر بحر الصين والمحيط الهندي، وخطوط جوية، حيث تشارك في هذه الرؤية بشكل عام قرابة 70 دولة تمثل 60٪ من سكان العالم وتمتلك ثلث إجمالي الناتج المحلي العالمي.
وأبرز المشاريع التي أنجزت بالسابق أو يُخطط لها، السكك الحديد التي تربط الصين بحوالي ثلاثين مدينة أوروبية، وفي آسيا، سيربط طريق يبلغ طوله 873 كلم، الصين بالساحل التايلاندي، وفي إفريقيا، تمول الصين خطا يبلغ طوله 471 كلم في كينيا بين العاصمة نيروبي ومرفأ مومباسا على المحيط الهندي.
وبحرياً، في تركيا، اشترت ثلاث مؤسسات صينية رسمية قرب اسطنبول مرفأ كومبورت الذي يعد الثالث في البلاد ويعتبر نقطة وصل مهمة بين «الحزام» و«الطريق»، وفي باكستان، سيتم ربط مرفأ غوادار غير البعيد من الحدود الايرانية، بأقصى غرب الصين بعد تجديد 500 كلم من الطريق. وسيؤمن المرفأ للتجارة الصينية منفذا إلى الشرق الاوسط، أسهل من الطريق البحرية لمضيق ملقا (بين ماليزيا واندونيسيا).
وفي أبرز اختراق عملي تطبيقاً لهذه الرؤية، وصل إلى لندن أول قطار بضائع يربط مباشرة الصين بالمملكة المتحدة بداية 2017، بعد رحلة استمرت 18 يوما بلغ طولها 12 ألف كلم.
آمال اقتصادية تركية واسعة
تأمل تركيا أن يؤدي هذا المشروع إلى تعزيز مكانتها كمركز استراتيجي في خطوط النقل البري والبحري والجوي عالمياً، وهي تعمل لأن يستفيد مطار إسطنبول الثالث الذي تنتهي أعمال بناءه خلال عامين وتقول إنه الأكبر في العالم من هذا المشروع، وأن يعود بأرباح كبيرة إلى موانئها التي تطل على أجزاء كبيرة من البحر الأبيض والأسود وبحر مرمرة.
كما أنها تأمل أن تزيد حركة التجارة العالمية عبر طرقها البحرية في مضيق البوسفور وتشاناكلي، لكن الأهم إمكانية أن يشكل المشروع رافعة رئيسية لرؤيتها بشق «قناة إسطنبول» التي ستكون موازية لمضيق البوسفور وتساهم في تسريع مرور سفن البضائع العالمية مقابل أجرة عالية تضمن أرباح كبيرة لخزينة الدولة على العكس من السفن التي تضطر للانتظار لمدة طويلة للمرور من البوسفور ولكن برسوم رمزية «تشغيلية».
ووعد الرئيس الصيني بإيداع 100 مليار يوان (13 مليار يورو) في صندوق مخصص لهذا المشروع. وستمنح المصارف الصينية من جهة أخرى قروضا تبلغ 380 مليار يوان (50 مليار يورو)، فيما قال وزير التجارة الصيني تشونغ شان إن بكين ستستورد منتجات بتريليوني دولار من الدول المشاركة في مبادرة الحزام والطريق على مدى السنوات الخمس المقبلة، حيث تطلع تركيا لأن يكون لها حصة مهمة من هذه المشاريع والأموال. كما تطمح تركيا بشكل كبير أن تتيح لها طرق التجارة الجديدة الوصول بشكل أسهل إلى القارة السمراء وإيصال تجارتها إلى هناك بشكل أسرع، حيث ركزت السياسة الخارجية التركية خلال السنوات الأخيرة على بناء شراكات ونفوذ في العديد من الدول الإفريقية.
وكان وزير الاقتصاد التركي نهاد زيبكجي أكد أنّ محادثات وفدهم الذي يزور الصين، برئاسة أردوغان، ستتمحور حول العراقيل التي تفرضها سلطات بكين على دخول المنتجات التركية إلى أسواقها، معتبراً أن حالة عدم التوازن في التبادل التجاري مع الصين، أمر لا يمكن قبوله، وقال: «نقوم ببيع منتج إلى الصين، لكننا نشتري مقابل ذلك 10 سلع استهلاكية من هذا البلد، وهذا الأمر غير مقبول وسنعالج الأمر».
طموحات تركية جيوسياسية
ويعدّ «ممر الوسط» أحد أهم عناصر مشروع إحياء طريق الحرير التاريخي، حيث يصل بين تركيا والصين مروراً بجورجيا وأذربيجان وبحر قزوين (بواسطة عبّارات) ومنه إلى تركمانستان وكازاخستان ثم أفغانستان وباكستان. ومن أبرز ميزات الممر، أنه منخفض التكاليف بالمقارنة مع «ممر الشمال»، حيث أن مسافة الأول أقصر بألفي كم من الثاني، ومن المتوقع أن يختصر زمن المرور 15 يوماً بالمقارنة مع ممر الشمال، وسيؤدي المشروع إلى اتصال تركي أقوى وأسرع مع دول آسيا الوسطى المقربة منها لا سيما تركمانستان وكازاخستان وأذربيجان.
وكان رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم أوضح أن مشروع خط حديد (باكو- تبيلسي- قارص) في إطار مشروع «طريق الحرير الجديد»، «سيتيح فرصة نقل البضائع من الصين وتركمانستان وكازاخستان عبر الأراضي التركية إلى أوروبا، ومنها بالعكس إلى الشرق الأقصى بكل سهولة».
والأهم بنظر تركيا في هذا الإطار، هو أن ترسيخ خطوط جديدة للتجارة العالمية تعتمد عليها كطريق أقصر وأرخص عالمياً سيؤدي إلى إبراز أهمية موقعها الجغرافي وبالتالي تعزيز مكانتها السياسية في العالم، وهو ما يتوافق مع رئيس الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لتعزيز مكانة بلاده بين القوى الكبرى عالمياً.
وأكد أردوغان على أن «بلاده تتمتع بموقع جغرافي هام، وتعتبر نقطة تقاطع آسيا بأوروبا، لذلك تعدّ من أبرز الدول في نطاق طريق الحرير الاقتصادي، وهي ترغب بالتعاون مع جميع الدول في هذا الإطار». وتابع: «أثق بأننا أمام مشروع قائم على مفهوم (اربح – اربح)، من شأنه أن يخدم السلام والاستقرار في العالم خلال المرحلة المقبلة (..) إن المبادرة الصينية تبعث على الاحترام».
أردوغان وفي كلمته خلال افتتاح منتدى «الحزام والطريق للتعاون الدولي»، أعرب عن ثقته بأن «طريق الحرير الجديد سيكون له دور مؤثّر في المستقبل، بفضل أهدافه المتمثلة بربط آسيا وأوروبا وإفريقيا وحتى أمريكا الجنوبية ببعضها البعض».
وأوضح أن «المشروع سيساهم في تطوير خطط البنى التحتية ورفع مستوى المعايير الفنية لدى الدول الموجودة على مساره، فضلًا عن تطوير الممرات البرية والبحرية والجوية بين القارات». وأردف أن «المشروع يشمل أكثر من 60 دولة، على مساحة 40 مليون كيلومتر، ويطال 4.5 مليار نسمة من سكان العالم، وبالتالي هناك أهمية بالغة لتفعيله وفقًا لمفهوم (اربح -اربح)».
إسماعيل جمال