تركيا: جدلية السياسة والتكنولوجيا

حجم الخط
1

عملية الانقلاب كانت آلية مُتبعة في تحولات الأنظمة السياسية على مر العصور، ولعل من أشهر ما نقلته لنا كتب التأريخ في هذا الإطار هو قيام الانقلاب ضد يوليوس قيصر داخل الكابيتول الروماني.
وفي العصر الحديث على الرغم من إيجاد بدائل متعددة لإجراء التغييرات في رأس النظام، لكن لم تخْتف الانقلابات كظاهرة سياسية، وثمة من يدرج ما شهدته البلدان العربية في منتصف القرن العشرين من التحولات في هيكلية الحكم ضمن خانة الانقلاب.
ولم تكن تركيا بعيدةً عن هذا المسار، بل حصلت في هذا البلد سلسلة من عمليات انقلابية منذ ستينيات القرن المنصرم، مرورا بالانقلاب على حكومة نجم الدين أربكان وصولا إلى آخر محاولة انقلابية في ليلة 15 يوليو 2016 لإسقاط الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، فالأخيرة لم تتوج بالنجاح. يذكر أنّه نادرا ما تنجح مساعي إحباط محاولة الانقلابات مثلما حصل في تركيا، إذ استعاد الرئيس التركي زمام المبادرة إثر نزول الجماهير الغفيرة إلى الشارع.
وهناك عوامل كثيرة وراء فشل الانقلابيين يأتى في المقدمة عدم احتجاز القيادة السياسية، وطالما يكون رئيسُ الدولة بعيداً عن قبضة مدبري الانقلاب، حتى لو تم إعلان حالة الطوارئ وفرض الأحكام العرفية، ستظل هناك فرص لإجهاض مشروع الانقلاب، وهنا يلعبُ عنصرُ الذكاء الشخصي دوراً كبيراً في استيعاب الأوضاع وإدارة الموقف المتأزم، بالاستناد لما تمتلكه من الوسائل واستثمار رأسمالك المعنوي، بحيثُ تقوم بمحاولة صياغة المشهد وقيادة التطورات وفقاً لما تَقْتَضيه مصلحتك.
فعلا قد كشف الرئيسُ التركي رجب طيب أردوغان أنَّه سياسي مُحَنَكْ عندما استفادَ من شعبيتهِ وخاطب الجماهير مطالبا إياهم بأن يدلوا بدلوهم في هذا الموقف المفصلي. أضِفْ إلى ذلك أن الأحزاب السياسية التركية، بمن فيهم خصوم أردوغان رفضوا منح المشروعية لما قام به فصيل عسكري من تشكيل مجلس السلم العسكري بديلاً للسلطة المنتخبة لقيادة تركيا. وهذا ما أبان عن النضج العقلي لدى هذه المكونات السياسية، وعدم رغبة قادتها في أن تعود تركيا إلى المربع الأول ويضيع ما تم إنجازه من المكتسبات في طريق بناء الدولة المدنية، وذلك لا يعني غياب الخلافات والاعتراض على سياسة أردوغان بشقيها الداخلي والخارجي، لكن عندما فرضت عليهم التطورات الاختيار بين الانقلاب العسكري أو النظام الذي يستمد شرعيته من التصويت الانتخابي انحازوا للأخير، بكل ما فيه من الشوائب والقصور، لأنَّ النظام الديمقراطي لا يعدم القدرة على إعادة البناء وإصلاح ما هو خلل في تركيبته، بعكس الأنظمة الديكتاتورية التي تتراكمُ فيها المشاكل ويكبرُ حَجمُ أزماتِها إلى أن تتفَسَخ، لذلك فإن الامتحان التركي الأخير يُزيد لدينا القناعة بأنَّ من شروط بناء الدولة المدنية هو وجود معارضة نشيطة تَحٍدُ من رغبة السلطة المنتخبة للاستحواذ على كل الصلاحيات، كما تصبح حامية للآليات التي تُحافظ على الطابع المدني للدولة وأركانها القانونية، فضلاً على كل ما ذكر آنفاً، فإن رفض الجماهير للانقلاب وصمودهم أمام القطعات العسكرية كان عاملاً حاسماً في دحر الانقلابيين، ولولا مساندة الشعب وسرعة استجابته لخطاب أردوغان كانت تركيا ستنزلق إلى المجهول.
لقد تغلغلت وسائل التكنولوجيا في حياة الإنسان وتأثيراتها ماثلةُ على كل المستويات الاجتماعية والاقتصادية والعسكرية. ومنذ اندلاع الانتفاضات العربية فتحت وسائل التواصل الاجتماعي أفقاً جديداً على صعيد العمل السياسي، بحيثُ وظف الشباب فعالية هذه الأدوات لتغيير واقعهم وتحرير مصيرهم من أيدى السلطات المُستبدةَ، بجانب ذلك كشفت هذه الوسائل عن محدودية الإجراءات الرقابية، كما أعادت صياغة ثنائية النُخبة والجماهير، إذ لم يعد هناك فرق كبير في مستويات الإدراك والوعي بين النُخبة والجماهير، لأنَّ هذه المُعطيات الحديثة تتيح فرصة التفاعل للجميع مع الوقائع والأحداث بقدر متساوٍ. هناك مشهد في ليلة الانقلاب في تركيا، لا يمكن أن تخطئه العين ويصعب لكل من يريد طبيعة الظرف الراهن تجاهل دلالته وهو ظهور الرئيس التركي على خدمة سكايب، بعدما سيطر الجيش على معظم وسائل الإعلام وعزلوا قائد القوات المُسلحة عن الإعلام المرئي والمسموع، من هنا بدأت مراهنة الرئيس على وسيلة حديثة لكسر الحصار، فإذا كان الجيش قد عمل وفقاً بمنهجه التقليدي المتمثل بقطع وسائل التواصل، واحتلال مباني محطات التلفزة، فإن السيد أردوغان بدا حداثويا في تفكيره ومواكباً لتطورات العصر، عندما لجأ إلى استخدام سكايب. أنْ يتحدث رئيس الدولة من خلال إحدى وسائل التواصل الاجتماعي ويطالبَ الشعب بالنزول إلى الشارع لمجابهة من أقصوه، ظاهرة لم يسبق لها مثيل إذ يصبح هذا الأمر مدار اهتمام الباحثين والمهتمين بالعالم الافتراضي الذي لم يعد الجماهير من مقيميه فقط، بل أصبح الرؤساء لائذين به للدفاع عن سلطتهم واستعادة هيبتهم في العالم الواقعي ومخاطبة جماهيرهم، وذلك يُعدُ مؤشراً واضحاً لما وصل دور التكنولوجيا في حقل العمل السياسي، بحيث قد تغيرت قواعد اللعبة والخرائط ولا وجود لمواقع ثابتة كما تتبادل مواقع المركز والهامش.
اختصاراً فإنَّ نجاح الرئيس التركي في توظيف هذه الوسائط لمواجهة الدبابات يضاف إلى تلك الشواهد التي تُثبت ضرورة الإقرار بأهمية هذه التقنيات في تطوير النشاطات السياسية ونمو العقلية المدنية وتفكيك العقليات الجامدة، وفي الوقت نفسه يجبُ عدم التغافل عن استفادة الجماعات المُتَطرِفة من هذه الوسائل لتجنيد الشباب في صفوفهم وهذا هو الجانب السلبي للتكنولوجيا.
بعدما خرج الرئيس أردوغان من عنق الزجاجة، بفعل تضافر كل القوى الجماهيرية والسياسية، وتم اعتقال المتورطين في الانقلاب، يأتي الحديث إلى خطوط السياسة التركية المقبلة، هل يتبع السيد أردوغان سياسة منفتحة على المستوى الداخلي ويواصلُ ما بدأ به قبل الانقلاب لإعادة ترتيب علاقاته على المستوى الخارجي؟ كيف تكون أجندة تركيا حول جملة من الملفات الدولية والإقليمية؟ على الرغم مما للدولة التركية من وزن واعتبار إستراتيجيين على المستويين الإقليمي والدولي، لكن قد تركز أجهزة الدولة التركية على الاهتمام بالشأن الداخلي وإيجاد الحلول للمُعضلات التي تُعيق ازدهار وتنمية القطاعات الاقتصادية.

٭ كاتب عراقي

تركيا: جدلية السياسة والتكنولوجيا

كه يلان محمد

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية