إسطنبول ـ «القدس العربي»: مُسن تركي ذو لحية بيضاء طويلة جاوز السبعين عاماً عايش خلالها عقود سيطرة الجيش التامة على الحياة السياسية وفرض «العلمانية» على كل مظاهر الحياة بالبلاد، يقف أمام كبار قادة الجيش ليلتقط صورة «سيلفي» تُلخص قصة تمكن أردوغان من إعادة «المظاهر الدينية» لاعتى حصون العلمانية.
خطوات ومشاهد وقرارات متلاحقة تصدر عن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس وزرائه أحمد داود أوغلو ووزراء ومسؤولي الحكومة ونواب حزب العدالة والتنمية الحاكم في البلاد منذ 13 عاماً، تظهر التحولات الكبيرة التي شهدتها البلاد خلال هذه السنوات.
«السيلفي» الذي شغل الأتراك وتحول لحديث وسائل التواصل الاجتماعي خلال اليومين الأخيرين، التقطه المُسن التركي «كاظم سلماز» أمام مجموعة من الضباط والعسكريين الأتراك، أثناء استعراض عسكري بمدينة «أرضروم» شرق تركيا، باحتفال بذكرى تحرير المدينة الـ 97.
وركز المغردون على المقارنة بين عهد الأنظمة العسكرية السابقة التي كانت تمنع اللحية وغطاء الرأس وبين المُسن الذي وقف بلحيته وزيه الإسلامي أمام مجموعة من كبار قادة الجيش، معتبرين أن ذلك نتاج سنوات طويلة من التحول الذي قاده أردوغان في البلاد.
أردوغان الذي شارك السبت في إحياء الذكرى المئة لمعركة «جناق قلعة» كان قد أحىا الذكرى السنوية السابقة (99) بتلاوة القرآن في المقبرة التي تضم رفاة جنود الجيش التركي الذين قضوا في المعركة، في مراسم تختلف تماماً عن الطريقة المتعارف عليها منذ عشرات السنين.
لكن الجيش الذي كان يعتبر فيما سبق حامي النظام العلماني والمسؤول عن أربعة انقلابات عسكرية في خلال نصف قرن من الزمن، فقد جبروته مع قضم صلاحياته عبر اصلاحات مختلفة وسجن أشد عناصره عدائية لحكومة حزب العدالة والتنمية بتهمة الضلوع في مخططات تآمرية ضد الحكومة.
وتتهم العديد من الأحزاب القومية والعلمانية التركية أردوغان وحزب العدالة والتنمية بالعمل على «أسلمة البلاد» من خلال فرض العديد من المظاهر الدينية في جميع نواحي الحياة بالبلاد البالغ عدد سكانها 78 مليون نسمة الأغلبية الساحقة منهم مسلمون.
في حين، يرى المؤيدون للحزب المحافظ الذي تمكن على مدار 13 عاماً من تحقيق نسب متصاعدة في الانتخابات المتتالية، أن حكومة العدالة والتنمية منحتهم حقوقهم الطبيعية في ممارسة طقوسهم الدينية بعد أن كانوا يعانون من المنع والتضييق طوال السنوات التي كانت فيها اليد الطولى للجيش.
ويرى آخرون أن الحالة التي عاشتها تركيا منذ عهد الزعيم التاريخي «مصطفى كمال أتاتورك» إلى ما قبل وصول حزب العدالة والتنمية للحكم، لا تمثل «العلمانية» كونها شهدت عمليات منع وتضييق على الحريات الدينية والاجتماعية، وأن ما يقوم به أردوغان هو «تطبيق أصح للعلمانية» لأنه أعاد الحريات الدينية لأصحابها ولم يقم بمنع المظاهر المخالفة والتي تتعارض مع معتقداته في ذات الوقت.
ويحرص أردوغان وأوغلو على إقامة صلاة الجمعة من كل أسبوع في أحد المساجد المشهورة في المحافظات التركية، كما أصبحت تلاوة القرآن والدعاء جزء من مراسم افتتاح المشاريع الكبيرة في البلاد، كان آخرها افتتاح نفق مرمراي الذي يربط شقي مدينة إسطنبول الأوروبي والآسيوي.
وقبل توليه منصب الرئاسة في آب/أغسطس الماضي، رفض ممارسة مهامه من القصر الرئاسي التاريخي «تشانقايا» في العاصمة أنقرة، الذي بناه المؤسس «مصطفى أتاتورك» وعمل أردوغان على تحويل مبنى ضخم كان مخصصاُ لرئاسة الوزراء لقصر جمهوري أطلق عليه «القصر الأبيض» وأدخل على مراسم استقبال الزعماء العديد من التعديلات التي تظهر الجانب التاريخي للجمهورية التركية لا سيما العهد العثماني. وقبل أسابيع أقرت حكومة العدالة والتنمية ادخال اللغة العثمانية وبعض دروس الدين الإسلامي الاختيارية والالزامية إلى مراحل التعليم الأساسية في المدارس الحكومية، وسبقها بعامين السماح للطالبات بلباس الحجاب في المدارس، الأمر الذي لاقى معارضة من شرائح سياسية ومجتمعية، وترحيباً من جهات أخرى.
وعمل أردوغان خلال السنوات الأخيرة على إعادة إحياء ودعم وتوسيع ما يعرف بـ»مدارس إمام خطيب» الدينية والتي درس فيها خلال طفولته بمدينة طرابزون على البحر الأسود، قبل أن يلتحق بكلية الاقتصاد والأعمال بجامعة مرمرة بمدينة إسطنبول.
وانضم في بداية حياته السياسية إلى حزب الخلاص الوطني بقيادة الزعيم الديني «نجم الدين أربكان» الذي اعتبر بمثابة المعلم والقدوة لأردوغان في نهاية السبعينات، لكن الانقلابات العسكرية وأحكام الاعدام وحل الأحزاب دفته للعمل ضمن حزب الرفاه وأخيراً لتأسيس حزب العدالة والتنمية.
وقبل قرابة العام وفي مهرجان انتخابي في مدينة إسطنبول وأمام قرابة 2 مليون من أنصاره، عاد أردوغان ليكرر قصيدة «مساجدنا ثكناتنا، قبابنا خوذاتنا، مآذننا حرابنا، والمصلون جنودنا، هذا الجيش المقدس يحرس ديننا»، وهي الكلمات التي دفعت الجيش للزج به إلى السجن عام 1998 بتهمة التحريض على الكراهية الدينية ومنه من العمل في الوظائف الحكومية.
وقبل أشهر وخلال زيارة له لإحدى قواعد الجيش التركي أم أردوغان الصلاة بالمئات من الجنود الذين كانوا ممنوعين من ممارسة طقوسهم الدينية إلى وقت قريب، وذلك بعدما تمكن في السنوات الأخيرة من منع جميع القرارات التي كانت تحظر توظيف المحجبات داخل مؤسسات الدولة وصولاً للبرلمان والجامعات.
وتظهر «أمينة» زوجة أردوغان، و»خير النساء» زوجة الرئيس السابق ورفيق أردوغان في تأسيس الحزب عبد الله غُل وزوجة رئيس الوزراء الحالي أحمد داود أوغلو وبناتهم وهم يرتدون الحجاب في جميع الفعاليات السياسية والاجتماعية.
ويتصاعد الجدل السياسي في البلاد مع اقتراب موعد الانتحابات البرلمانية المقبلة المقررة في شهر يونيو/حزيران المقبل، والتي يسعى من خلالها حزب العدالة والتنمية للحصول على نسبة أعلى من الأصوات والمقاعد لكتابة دستور جديد للبلاد يتيح تغيير نظام الحكم للرئاسي وادخال تعديلات واسعة على الدستور السابق، في حين تسعى المعارضة القومية والعلمانية لتجديد محاولتها لوقف نمو وتصاعد الحزب، والعودة للحكم من جديد بعد 13 عاماً في مقاعد المعارضة.
إسماعيل جمال