الانتخابات الرئاسية والبرلمانية التي أُجريت في تركيا في يوم الاحد لم تجلب معها أي مفاجأة. كما هو متوقع فاز فيها الرئيس الحالي طيب رجب أردوغان، وأغضب المحللين في الغرب الذين ما زالوا يصرون على البحث عن منطق وعقلانية وفي الاساس عن الاعتدال في منطقتنا.
مع ذلك ورغم الفوز الساحق لأردوغان، ما زال مفاجئا ان نكتشف أنه بعد 15 سنة تقريبا من حكم بدون قيود وبعد حملات ترهيب وملاحقة ضد خصومه ما زال نحو نصف الاتراك يرفضون الثقة به. هذا غير كاف من أجل وقفه، لكنه يكفي لغرس الأمل لمستقبل أفضل بالنسبة لدولة تركيا ومواطنيها.
بعد الفوز في الانتخابات يمكن الافتراض أن أردوغان يريد أن يرى فيها روحا داعمة لاستكمال المهمة التي أخذها على نفسه: تدمير إرث مؤسس تركيا الحديثة كمال أتاتورك، ومواصلة دفعها نحو ماضيها العثماني والإسلامي في الطريق إلى تقليد التخلف والتطرف في الشرق الاوسط.
حتى لحظة فتح صناديق الاقتراع كان يبدو للمحللين أن ما لا يصدق يمكن أن يحدث وأن الجثة الميتة للديمقراطية التركية التي صفيت على أيدي أردوغان وأتباعه في السنوات الاخيرة ما زال يمكنها أن تنبعث للحياة. استطلاعات الرأي العام أشارت إلى احتمال أن تتم هزيمة أردوغان على أيدي خصومه أو أنه لن يحظى بالغالبية في البرلمان، في الاساس بسبب انخفاض سعر العملة التركية والخوف من انهيار الاقتصاد.
إلا أن التفاؤل لم يكن مؤسساً. مؤيدو أردوغان المصابون بالعمى واصلوا التصويت له رغم سلسلة فشل متواصلة ومدوية سجلها لنفسه في الداخل في مجال الاقتصاد، وفي سياسته الخارجية.
بشكل عام أيضاً لو لم يفز في الانتخابات فإن الأمر سيحتاج إلى سنوات كثيرة لإصلاح الكارثة التي جلبها على تركيا، إذا كان يمكن القيام بذلك. السم والكراهية التي نثرها في كل صوب سقطت على أرض خصبة. مثلا، خصمه مهرام انجي، أمل المعسكر العقلاني في تركيا، هاجم أردوغان لأنه لم يتخذ خطوات متشددة ضد إسرائيل، في حين أن منافسة اليمين ميرال اكشنر تعهدت بأنه بعد فوزها في الانتخابات ستقوم بتحسين العلاقة بين تركيا ونظام بشار الاسد.
فوز أردوغان بشرى سيئة لتركيا والديمقراطية الشابة التي تطورت فيها حتى توليه الحكم. من كل ذلك بقي القليل جداً بعد حملات الترهيب والتنكيل بخصومه السياسيين ومنتقديه. وفي الاساس كل من رفض أن يكون محكوماً للسلطان الجديد في أنقرة ولحزبه. هذه بشرى سيئة أيضاً لواشنطن التي تستنجد بحلفاء معتدلين في المنطقة.
من جهة إسرائيل النتائج لا تزيد ولا تنقص. في السابق افترضوا في إسرائيل أن أردوغان يستخدم ورقة إسرائيل لأغراضه الانتخابية وأن هذا سينتهي بفوزه، سيعيد العلاقات بين الدول إلى سابق عهدها. ولكن مشكوك فيه أنه يمكن الاعتماد على هذا الافتراض الذي في أساسه الايمان بأن أردوغان هو، رغم كل شيء وبعد كل شيء، سياسي واقعي.
لا يوجد أمر عقلاني في سلوكه تجاه إسرائيل ويمكن الافتراض انه بعد الانتخابات الحالية فإن أردوغان منفلت العقال الذي يثق بنفسه وبطريقه سيواصل بانهيار العلاقة بين تركيا وإسرائيل حجراً بعد حجر.
في كل مرة في السابق تضررت فيها هذه العلاقة، كان ما زال بالامكان إعادة اصلاحها، لكن من الحضيض الذي أوصل اليه أردوغان هذه العلاقة في هذه المرة فإن الطريق نحو قطيعة كاملة أقرب مما كان في السابق. مع ذلك تركيا هي دولة كبيرة لها ماض غني ورائع. أردوغانيون يأتون ويذهبون، ويجب علينا الصلاة من أجل عدم تأخر نهايته السياسية.
إسرائيل اليوم 26/6/2018