إسطنبول ـ «القدس العربي»: تلمس أنقرة منذ أيام بوادر حملة غربية وعربية ضمن مخطط جديد في المنطقة يهدف إلى الحد من نفوذها الخارجي وإحراجها عبر إحياء الاتهامات بدعم الإرهاب من خلال المحاولات الجديدة لتصنيف جماعة الإخوان المسلمين على لائحة «المنظمات الإرهابية»، بالإضافة إلى التحدي الذي ستفرضه عليها الأزمة الخليجية الأخيرة ومدى قدرتها على الموازنة في علاقاتها بين قطر والسعودية والإمارات وعدم اضطرارها للاختيار بينهما.
وتخشى أنقرة التي عملت طوال السنوات الماضية من أجل بناء «علاقات إستراتيجية» مع دول الخليج العربي أن تؤدي الأزمة الأخيرة التي تعصف في العلاقات بين هذه الدول إلى تخريب جزء من هذه العلاقات وأن تجبرها على الاختيار مع أحد هذه الأطراف على حساب طرف آخر.
لكن وفعلياً لم تصل هذه العلاقات إلى المستوى «الإستراتيجي الحقيقي» إلا مع قطر التي وقعت معها اتفاقيات لإنشاء مجلس تعاون استراتيجي وأسس البلدان فعلياً لتعاون في العديد من المجلات كان أبرزها الاتفاقيات العسكرية والدفاعية التي سمحت لأنقرة بإنشاء قاعدة عسكرية للجيش التركي على الأراضي القطرية.
أما مع السعودية التي تطورت العلاقات معها بشكل لافت منذ وصول الملك سلمان بن عبد العزيز إلى سدة الحكم في المملكة، وعلى الرغم من توقيع اتفاقيات متقدمة معها أبرزها إنشاء «مجلس التنسيق السعودي التركي» الذي لم يشهد تفعيلا حقيقيا ولم تصل العلاقات إلى درجة «التعاون الإستراتيجي» كما حصل فعلياً مع قطر، وسط هواجس كبيرة «صامتة» ما زالت تحكم العلاقة بين البلدين.
كما أنه وعلى الرغم من الزيارات المتبادلة والتعاون الاقتصادي اللافت، ظلت الهواجس السياسية تحكم العلاقات التي تطورت بين تركيا من جهة والإمارات والبحرين من جهة أخرى خلال السنوات الأخيرة، وبقي على ما يبدو التوجه الإسلامي للحكومة التركية ودعمها لحركة الإخوان المسلمين العائق الأكبر أمام تطوير العلاقات بشكل أكبر مع السعودية والإمارات والبحرين.
وعلى الرغم من أن تركيا التي لا ترغب في توتير العلاقات مع أي دولة جديدة سوف تكرس كل دبلوماسيتها من أجل أن لا تكون طرفاً في الخلاف الخليجي الأخير، إلا أنه وفي حال اشتداد الأزمة ستتحول إلى طرف مباشر فيها وبالتالي ستكون أقرب إلى قطر منها إلى أي دولة خليجية أخرى. وفي هذا الإطار أكد رئيس لجنة العلاقات القطرية التركية في البرلمان التركي، ياسين أقطاي، «وقوف تركيا حكومة وشعباً إلى جانب الشقيقة قط» رضد ما تتعرض له من هجمة إعلامية غير أخلاقية من بعض وسائل الإعلام العربية والأمريكية على غرار ما تعرضت له تركيا العام الماضي»، معتبراً أن «ما تتعرض له قطر الآن من مؤامرة مشابه تماماً لما تعرضت له تركيا من محاولة انقلابية فاشلة العام الماضي».
وعقب الأزمة، بحث الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مع أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، العلاقات الثنائية القائمة بين البلدين وسبل تعزيزها في كافة المجالات، في اتصال هاتفي جرى الخميس وتطرق إلى «آخر المستجدات الإقليمية ذات الاهتمام المشترك».
في سياق متصل، وفي حال نجاح المساعي التي تقودها أطراف عربية وأمريكية من أجل وضع الإخوان المسلمين على لائحة المنظمات الإرهابية فإن تركيا سوف تكون من أكبر المستهدفين من هذه الخطوة، حيث تستضيف أنقرة عددا كبيرا من قيادات الجماعة من مصر وسوريا واليمن وليبيا وفلسطين. ومنذ وصف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حركة حماس بـ«المنظمة الإرهابية» إلى جانب داعش خلال قمة الرياض التي تغيب عنها أردوغان كثفت وسائل إعلام مصرية وسعودية وإماراتية وصف الحركة وجماعة الإخوان المسلمين بالمنظمة الإرهابية، بالتزامن مع دعوات مشابهة لتمرير قانون حول هذا الشأن في الكونجرس الأمريكي. وعلى سبيل المثال، اضطرت تركيا سابقاً بفعل ضغوط أمريكية وإسرائيلية إلى تحجيم النشاط الظاهري لقيادات حركة حماس على أراضيها، كما أوعزت إلى القيادي البارز في الحركة صالح العاروري إلى نقل مقر إقامته من إسطنبول لخارج البلاد، وزيادة الضغوط الدولية يمكن أن تؤدي إلى خطوات مشابهة قد تطول نشاط قيادات الإخوان من باقي البلدان العربية.
لكن الأخطر من محاولة «أرهبت الإخوان» هو عودة الاتهامات السابقة لتركيا بالتساهل في الحرب على الإرهاب وخاصة تنظيمي الدولة والنصرة ومحاولة تمرير قوانين في الكونجريس الأمريكي تسمح بمعاقبة دول تتهاون في الحرب على الإرهاب يستهدف تركيا بالدرجة الأولى. وقبل نحو 3 سنوات واجهت تركيا حملات مشابهة لم تستطيع مقاومتها إعلامياً ودبلوماسياً وانخرطت على أثرها في مواجهات مباشرة مع تنظيم الدولة في سوريا وفقدت العشرات من جنودها، كما أدت هجمات التنظيم على الأراضي التركية إلى مقتل وإصابة المئات من مواطنيها. وتقول أنقرة إنها من أكثر الدول المتضررة من التنظيمات الإرهابية وإنها أكثر من يحاربها لكنها تحاول الحصول على اعتراف دول بخطر تنظيم العمال الكردستاني والوحدات الكردية على أراضيها وذلك من خلال الضغط والتلويح بعدم السماح باستخدام قاعدة إنجيرليك الجوية في عمليات التحالف الدولي. لكن من شأن إعادة أحياء هذه الاتهامات أن يقلص خياراتها في الضغط على واشنطن والتحالف الدولي ويدفعها للقبول بالخطة الأمريكية لتحرير الرقة دون أي مساحة من المناورة التي قد تكلفها حملة أوسع من الاتهامات بالتقاعس في الحرب على تنظيم الدولة.
ويمكن أن تؤدي أيضاً مثل هذه الحملات إلى إجبار أنقرة على وقف التعامل مع العديد من المجموعات المسلحة داخل سوريا والمصنفة دولياً على أنها معتدلة، وذلك من خلال التشكيك بـ»اعتدالها» كخطوة على تحجيم النفوذ التركي داخل الأراضي السورية والقائم بالدرجة الأولى على دعم هذه المجموعات.
وهذا الأمر يبدو أنه سوف ينسحب على الأوضاع في ليبيا، من خلال التضييق على الأطراف المدعومة من قبل تركيا مقابل منح أفضلية للأطراف المدعومة من قبل مصر والإمارات في الصراع على النفوذ هناك، ومساعدة هذه المجموعات على بسط سيطرتها على مناطق أوسع في البلاد.
والسبت، أعربت وزارة الخارجية التركية، عن قلقها إزاء الأحداث التي وقعت الجمعة في العاصمة الليبية طرابلس بين قوات تابعة لحكومة «الوفاق الوطني»، وأخرى تابعة لحكومة «الإنقاذ»، أوقعت عشرات القتلى والجرحى، ودعت إلى «خفض التصعيد العسكري بشكل عاجل».
إسماعيل جمال