اسطنبول ـ «القدس العربي»: روان (10 أعوام) وشقيقتها أفنان (13 عاماً) طفلتان سوريتان تسكنان مع والدتهما في أحد المجمعات السكنية الراقية في مدينة إسطنبول التركية، من يشاهدهما يعتقد للوهلة الأولى أنهما من إحدى العائلات السورية الميسورة التي تعيش في هذا المجمع وتتنعم بمستوى عالي من الرفاهية.
لكن الحقيقة مختلفة تماماً، والحكاية أصعب من ذلك بكثير، فلروان وأفنان ثلاثة أشقاء آخرين أكبرهم 15 عاماً وأصغرهم لم يتجاوز الثامنة جميعهم لا يذهبون للمدارس ولا يتلقون التعليم، فوالدهم ومعيلهم الوحيد قتل منذ 4 سنوات في الحرب المتواصلة في سوريا منذ 6 سنوات.
وعقب انتقالهم من مدينة حلب السورية للعيش في إسطنبول منحتهم عائلة سورية ميسورة منزلا للعيش فيه بسبب صعوبة ظروفهم الاقتصادية، لكن وفي ظل عدم وجود دخل مادي لهم تضطر والدتهم للعمل في مهنة تنظيف المنازل من أجل توفير الحد الأدنى من متطلبات الحياة لأطفالها.
هؤلاء الأطفال الذين تحدثت إليهم «القدس العربي»، لم تتوقف مأساتهم عند هذا الحد، فهم يضطرون إلى مساعدة والدتهم في عملها، حيث تترك والدتهم أحدهم في البيت للاعتناء بأصغر أشقائهم، بينما تصطحب الثلاثة الآخرين للعمل معها لساعات طويلة خلال النهار، في مهنة تنظيف المنازل وبعض الخدمات الأخرى، وبالتالي يحرمون من التعليم الأساسي بسبب عملهم وعدم توفر المقومات المادية لالتحاقهم في المدارس.
هذه العائلة وعلى الرغم من مأساتها، لكنها حظيت بفرصة العيش في شقة راقية، بينما عائلة الطفل محمد (13 عاماً) ما زالت تعيش في شقة متهالكة أشبه بـ»القبو» تحت مستوى الأرض في أحد أحياء منطقة «يني بوسنا» الفقيرة في إسطنبول وتعيش ظروفا اقتصادية قاهرة.
ومن أجل تأمين الحد الأدنى من احتياجات الحياة اليومية، يضطر محمد واثنين من إخوته للعمل ويحرمون من الدراسة منذ قدومهم إلى تركيا قبل ثلاث سنوات. وبينما يعمل شقيق محمد الأصغر (9 سنوات) في بيع المناديل بالقرب من محطة المترو القريبة على منزلهم، يعمل مع شقيقه الآخر في إحدى المطابع بمنطقة «شيرين أفلار» المجاورة لحيهم.
أعمل 12 ساعة يومياً
يقول محمد لـ»القدس العربي» التي التقته بجانب مكان عمله: «أعمل هنا منذ سنة تقريباً، أعمل لمدة 12 ساعة يومياً وأحصل على 200 ليرة ( ما يعادل 65$) في الأسبوع، حيث أقوم بطي الورق بعد طباعته وترتيبه ونقل الكتب والمجلات التي يتم طباعتها»، لافتاً إلى أنه يحمل أوزانا ثقيلة جداً من الكتب في نهاية كل يوم لتحميلها إلى المشترين.
وأضاف محمد الذي ما زالت ملامح الطفولة تكتسي وجهه البريء: «طبعاً نفسي أرجع للمدرسة، نفسي كون مع رفقاتي زي قبل الحرب، بس هلا لو ما اشتغلت راح نجوع وما نلاقي شي ناكله، أنا وأخواتي بنشتغل وبنعطي الأجرة لأمي لتدفع أجار البيت وتجيب ألنا أكل وشرب».
وبينما يمكنك رؤية عشرات الأطفال السوريين المنتشرين قرب محطات المترو وفي المفترقات الرئيسية في إسطنبول يبيعون المناديل وبعض المنتجات، يبدو المشهد أصعب بكثير داخل الورش والمصانع التي يعمل داخلها أطفال تحت السن القانوني في ظل ظروف قاهرة وبأجور زهيدة.
«القدس العربي» لم تتمكن من الدخول إلى إحدى ورش صناعة الملابس في منطقة الفاتح بإسطنبول، لكن المعلومات التي حصلت عليها من عائلات سورية وشبان يعملون في هذه المنطقة، تؤكد أن أعدادا ليست قليلة من الأطفال يعملون داخل الورش الصناعية لا سيما في صناعة الملابس والأحذية وداخل المطابع وغيرها، ويتلقون ما بين 600 إلى 1200 ليرة تركية شهرياً (ما يعادل 180 إلى 350 دولارا أمريكيا).
الحكومة التركية قدمت تسهيلات كبيرة من أجل السماح للسوريين للعمل بشكل رسمي وسن قوانين في هذا الإطار، إلا أن الغالبية العظمى من السوريين من كافة الأعمار ما زالوا يعملون بشكل غير قانوني ولا يحصلون على تسجيل عمل رسميا من الشركات المشغلة وبالتالي يحرمون من حقوقهم الوظيفية ومن التأمين الصحي ويحصلون على راتب شهري أقل من الحد الأدنى للأجور المحدد من قبل الحكومة التركية.
وعلى الرغم من القوانين والقرارات المتعددة التي سنتها الحكومة التركية لضبط الأمر والحد من العمالة العشوائية وخاصة عمالة الأطفال، إلا أن ضعف الرقابة على الأرض ورفض المشغلين الأتراك الالتزام بهذه القوانين لارتفاع تكاليفها المادية وشدة الحاجة لدى العاملين السوريين ساعدت جميعها في فشل هذه الإجراءات في إنهاء ظاهرة عمالة الأطفال.
عمالة الأطفال والحرمان من التعليم لا تقتصر على مدينة اسطنبول فقط، فهي منتشرة في معظم المحافظات التي يتواجد فيها اللاجئين، لا سيما مدينة غازي عنتاب التي تضم أعدادا كبيرة من اللاجئين السوريين وتشهد معدلات مرتفعة من عمالة الأطفال الذين يمارسون أعمالا يومية في ورش السيارات والمصانع والخياطة والمطاعم ونقاط البيع المختلفة.
تشغيل الأطفال هنا لم يعد سراً، فجولة سريعة في صفحات فيسبوك المخصصة لإعلانات العمل للسوريين في تركيا تُطلعك على طلبات الحصول على عمال من الأطفال مقابل عائد مادي زهيد، هذه الإعلانات التي ينشرها سوريون أيضاً، يطلبون عمال لتشغيلهم في شركات سورية أو تركية على الأغلب.
«أحسن ما يشحدوا»
وفي أحد الإعلانات المنشورة يشترط المُشغل أن يكون عمر المتقدمين للعمل في تنظيف وتغليف الملابس في أحد المصانع بإسطنبول ما بين (12 إلى 14 عاماً)، وعندما واجه انتقادات واسعة، رد عليهم المعلن بالقول «مو أحسن ما يشحدوا (يتسولون) بالشوارع؟ 400 ليرة في الشهر بساعد فيهم عائلته أحسن من الشحدة (التسول)».
وبحسب الإحصاءات الرسمية، يعيش في تركيا قرابة 3 مليون لاجئ سوري، يتواجد منهم فقط قرابة 250 ألفا في المخيمات التي تديرها الحكومة التركية والمنظمات الإنسانية في المناطق الحدودية، بينما يتوزع الباقون في المحافظات التركية المختلفة ويتلقون خدمات متفاوتة من الحكومة التركية والمنظمات الدولية.
وبات جزء كبير من أصحاب المصانع في تركيا، لا سيما قطاع الملابس الأكبر في اسطنبول يعتمدون على العمالة السورية بشكل كبير على حساب العاملين الأتراك، لرخص تكلفتهم، الأمر الذي ولد حالة كبيرة من الاحتقان لدى العاملين الأتراك الذين باتوا يعانون من بطالة بعد رفضهم العمل بالأجور الجديدة المتدنية في حين يتم استغلال حاجة اللاجئين للعمل بهذه الأجور المتدنية، بينما يسعى آخرون للحصول على عمالة أكثر رخصاً من خلال تشغيل الأطفال.
وتقول المنظمات المعنية في حماية الأطفال من العمالة والاستغلال إن مهمتها تصطدم بالعديد من العوائق أبرزها إصرار العائلات على عمل أطفالها بسبب عدم قدرتها على الاستغناء عن الأموال التي يجبلونها على الرغم من قلتها حيث تعتاش الكثير من العائلات على مدخولات أبنائهم في الدرجة الأولى.
وقبل أسابيع أثارت شبكة «بي بي سي» ضجة كبيرة، عقب كشفها عن استغلال الأطفال السوريين اللاجئين في تركيا بالعمل في مصانع الخياطة التي تعمل لحساب وكالات عالمية كبرى، وتم رصد عشرات حالات الاستغلال لأطفال يعملون لأكثر من 12 ساعة يومياً بأجرة زهيدة في صناعة ملابس تصدر إلى بريطانيا وأوروبا.
ورداً على هذه التقارير، قال محمد مؤذن أوغلو وزير العمل والضمان الاجتماعي التركي بأن نشر هذه التقارير «لا يتناسب مع أخلاقيات مهنة الصحافة»، لافتا إلى أن الخبر يتضمن «سوءا في النية»، وقال: «كان من الممكن لـ»بي بي سي» أن تنشر خبرا عن استضافة تركيا لـ 3 ملايين لاجئ سوري، وأن تتحدث عن المساعدات التي قدّمتها للسوريين، والتي تبلغ قيمتها 10 مليار دولار خلال السنوات الخمس الأخيرة، بدلا من هذه الأخبار»، مؤكداً مكافحة وزارته لمشكلة عمالة الأطفال.
وبينما ينص قانون العمل التركي على أن سن العمل هو 18 عاماً، يسمح بتشغيل من هم فوق الـ15 عام ضمن شروط خاصة تتضمن الفحص الطبي والتأمين الصحي والعمل في مهن بسيطة، وهو غير مطبق على الأطفال السوريين الذين يعملون في مهن صعبة وبشكل غير قانوني.
مراكز التعليم المؤقتة
وحسب آخر تقرير دولي صادر عن مفوضية الأمم المتحدة للاجئين فإن أكثر من نصف الأطفال والمراهقين اللاجئين في العالم محرومون من التعليم في المدارس أي ما يقارب 3,7 مليون طفل، ويقول التقرير إن «تركيا التي تستقبل أكثر من 2,7 مليون لاجئ سوري عاجزة عن تأمين التعليم لأكثر من 39% من اللاجئين في سن الدراسة».
وبينما ترجح تقديرات غير رسمية أن قرابة 300 ألف طفل سوري يعيشون في تركيا لا يتمكنون من الحصول على التعليم، قال أرجان دميرجي، مساعد مستشار وزارة التربية والتعليم التركية، الشهر الماضي، إن عدد الطلاب اللاجئين السوريين في عموم تركيا تجاوز خلال العام الدراسي الحالي 450 ألف طالب، موضحاً أن 150 ألفاً من إجمالي الطلاب اللاجئين يكملون تحصيلهم العلمي في المدارس الحكومية التركية، فيما يتابع أكثر من 300 ألف منهم تعليمه في مراكز التعليم المؤقتة التي تشرف عليها منظمات مختلفة بالتعاون مع وزارة التعليم التركية، لافتاً إلى أن بلاده تهدف لاحتواء 500 ألف طالب في المدارس وتأمين كافة احتياجاتهم المدرسية، حتى نهاية العام الدراسي الحالي.
وتقول تركيا إنها أنفقت رسمياً ومن خلال المنظمات الإغاثية أكثر من 20 مليار دولار على اللاجئين السوريين الذين تتحمل عبئهم الأكبر، وتنتقد بشدة المنظمات الدولية والاتحاد الأوروبي بسبب عدم إيفاءه بالالتزامات التي تعهد بها في اتفاق اللاجئين مع تركيا والتي تنص على تقديم مساعدات مالية للاجئين، ويقول كبار مسؤوليها إنه «في الوقت الذي تتحمل فيه تركيا كل هذا العبء وتنفق المليارات وتقدم الخدمات للاجئين تنشغل أوروبا والمنظمات الدولية بتقييم أداء تركيا وتوجيه الانتقادات لها».
وفي الشهر الماضي، وقعت وزارة التربية التركية وبعثة الاتحاد الأوروبي إلى تركيا، على اتفاقية تتضمن استخدام موارد مالية بقيمة 300 مليون يورو، بهدف دعم عملية دمج الطلاب السوريين المشمولين بالحماية المؤقتة بنظام التعليم التركي، وتهدف إلى توفير دورات تعليمية باللغة التركية لنحو 300 ألف طالب، ودورات تعليمية باللغة العربية لـ 40 ألف طالب، وإعادة 10 آلاف طالب متسرب إلى العملية التعليمية وتزويد نحو 500 ألف طفل سوري بمواد قرطاسية، ووسائل تعليمية. لكن المشروع سيمتد تنفيذه على مدار عامين.
إسماعيل جمال