إسطنبول ـ «القدس العربي»: بدون مقدمات أو استعدادات مسبقة وجدت تركيا نفسها في حالة أشبه بـ»الحرب المفتوحة» على ثلاث جبهات متمثلة في تنظيم «الدولة» ومسلحي حزب العمال الكردستاني، ومسلحي بعض الجماعات اليسارية المسلحة، وذلك في ظل حالة من الفراغ السياسي التي تعيشها البلاد منذ الانتخابات النيابية التي جرت في السابع من حزيران/يونيو الماضي.
فبعد سنوات من سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية «داعش» على مناطق واسعة من الحدود السورية التركية وما رافق ذلك من تهديدات أمنية وانتقادات دولية واسعة، وجدت أنقرة نفسها أمام استحقاق لا بد منه وهو الالتحاق في ركب التحالف الدولي ضد «داعش» وفتح قواعدها الجوية لضرب مواقع التنظيم بعد رفض استمر لأشهر طويلة بسبب الرفض الأمريكي للشروط التركية المتمثلة في اقامة منطقة آمنة داخل الأراضي السورية وتوسيع العمليات لتشمل النظام السوري وعدم اقتصارها على التنظيم.
أنقرة حركت طائراتها الحربية لضرب مواقع لـ»داعش» داخل الأراضي السورية، لأول مرة، بعد ساعات من هجوم نفذه التنظيم على نقطة حدودية للجيش التركي أدى لمقتل جندي وإصابة آخرين، ليعلن رئيس وزراء حكومة تسيير الأعمال أحمد داود أوغلو أن الغارات هي جزء من عملية أوسع بدأتها تركيا ضد التنظيم، وتبعها تصريح للرئيس رجب أردوغان قال فيه إن بلاده اقدمت على «خطوة أولى» في هذا الاتجاه.
ولا يعرف إن كانت واشنطن قد وافقت على المطالب التركية في سوريا، كما أن تصريح أحد مستشاري داود أوغلو الذي قال فيه إن «المناطق التي سيتم طرد داعش منها ستكون بمثابة مناطق آمنة» لم يكن كافياً لتوضيح الموقف، لكنه أرسل إشارات إلى أن العملية التركية ستتواصل وستتوسع ضد تنظيم الدولة في سوريا خلال الفترة المقبلة.
الغارات الجوية ضد «داعش» ترافقت مع غارات جوية وقصف مدفعي مكثف ضد مواقع لمسلحي حزب العمال الكردستاني، أيضاً لأول مرة من سنوات، بعدما نفذ مسلحي «بي كا كا» سلسلة عمليات أدت إلى مقتل وجرح عدد من رجال الأمن والشرطة التركية على أثر التفجير الانتحاري الذي استهدف نشطاء أكراد في مدينة سوروتش في ولاية شانلي أورفا جنوب تركيا وادى إلى مقتل 32 وإصابة 100 آخرين.
هذه الغارات تبعها إعلان مباشر من قبل «العمال الكردستاني» بإنهاء الهدنة التي تم التوافق عليها قبل قرابة العامين مع الحكومة التركية في إطار ما يعرف بـ»عملية السلام الداخلي» والتي كانت تهدف لوضع حد لعقود من الحرب بين الحكومة التركية والمسلحين الأكراد، لكن التطورات السياسية والميدانية التي شهدتها البلاد عقب الانتخابات الأخيرة وأنهت الهدنة، يبدو أنها ستنهي أيضاً أو أنها ستجمد «عملية السلام» لسنوات عدة ـ بالحد الأدنى- وستدخل البلاد في جولة جديدة من العنف.
وفي آخر هجماته فجر مسلحو «العمال الكردستاني» فجر الأحد سيارة مفخخة بإحدى سيارات الجيش التركي مما ادى إلى مقتل 2 وإصابة آخرين، ضمن سلسلة عمليات إطلاق نار ومهاجمة نقاط للجيش الشرطة وحرق آليات وممتلكات تابعة للدولة، بالإضافة إلى عمليات خطف وتخريب تشهدها مناطق الجنوبي الشرقي من البلاد ومدينة إسطنبول منذ أيام.
وعلى جبهة ثالثة، تخوض أجهزة الامن التركية حملة واسعة ضد مسلحي بعض التنظيمات اليسارية المسلحة داخل المحافظات التركية، اعتقلت خلالها العشرات، حيث فجرت إحدى عناصر التنظيم نفسها خلال محاولة قوات الامن اعتقالها في مدينة إسطنبول، قبل يومين.
هذه التطورات السياسية والأمنية المتلاحقة، لم تكن بمعزل عن التطورات السياسية الداخلية التي تشهدها البلاد منذ الانتخابات التي افرزت حالة من الفراغ السياسي، حيث رسمت نتائجها خريطة سياسية جديدة للبلاد انتهت بموجبها الأغلبية البرلمانية التي تمتع بها حزب العدالة والتنمية الحاكم في البلاد منذ سنوات، ولم تتوافق حتى اليوم الأحزاب المتمثلة في البرلمان على تشكيل حكومة ائتلافية، في حين يجمع المحللون على أن تركيا ذاهبة نحو انتخابات برلمانية جديدة قد تنهي حالة الفراغ السياسي التي تعيشها البلاد.
نتائج الانتخابات السابقة واحتمال إجراء انتخابات مبكرة، دفعت جميع الأحزاب لإعادة النظر في سياستها ومحاولة استغلال الأحداث الداخلية والخارجية واستثماراها لصالحها، فالعدالة والتنمية الذي اتهم بتهاونه في محاربة تنظيم الدولة طوال سنوات حكمه السابقة يبدو اليوم أكثر حزماً اتجها التنظيم.
مدينة إسطنبول و13 محافظة أخرى شهدت عملية أمنية غير مسبوقة شارك فيها عشرات الالاف من رجال الأمن وقوات مكافحة الإرهاب استهدفت جميع المشتبهين بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» وحزب العمال الكردستاني والتنظيمات اليسارية المسحلة، أسفرت عن اعتقال المئات منهم في يومها الأول، وما زالت مستمرة في اعتقال المزيد.
في حين حاول حزب الشعوب الديمقراطي الذي أدخل الأكراد للبرلمان لأول مرة في تاريخهم كحزب سياسي استغلال التفجير الأخير في سوروج في تعزيز الخوف لدى الاكراد واتهام «العدالة والتنمية» بالتساهل في حماية الاكراد، ووصل الأمر لزعيم الحزب صلاح الدين ديمرطاش إلى دعوة الأكراد لحماية أنفسهم بأنفسهم في دعوة وصفت بأنها «تحرض واضح على حمل السلاح».
وتظهر الحملات الامنية الواسعة التي شنها الامن التركي في الداخل مدى خشية الحكومة التركية من تنفيذ هذه التنظيمات لعمليات واسعة لا سيما تنظيم «الدولة» الذي يبدو أنه قادر على تحريك العديد من الخلايا له في الداخل التركي وإدخال السلاح والمتفجرات من الحدود التي تمتد على طول 900 كيلو متر مع سوريا والتي يسيطر التنظيم على جزء واسع منها، وهو التهديد الذي دفع أنقرة أيضاً للإعلان عن مخطط أمني متكامل لبناء منطقة أمنية على طول الحدود مجعومة بأنظمة مراقبة حدودية وجدار عازل وأسلاك شائكة.
ولا يعرف حتى الآمن إلى أي مدى ستؤثر التطورات الأخيرة على مساعي داود أوغلو لتشكيل حكومة ائتلافية، ففي الوقت الذي يرى فيه مراقبون أن الأحداث الاخيرة ستزيد الأمور تعقيداً وستدفع البلاد لحالة من الفوضى السياسية، يرى آخرون أن انهيار الهدنة مع الاكراد ربما تسهل المفاوضات بين «العدالة والتنمية» وحزب الحركة القومية الذي كان يشترط إنهاء عملية السلام ـ بالإضافة إلى شروط أخرى» للانضمام إلى حكومة ائتلافية.
إسماعيل جمال