تركيا في ظل الصراع والمتغيرات المحيطة بالمنطقة

حجم الخط
0

■ إن الدور السياسي الذي تلعبه تركيا في الآونة الأخيرة على الصعيد الإقليـــمي والدولي، هيأ لها مناخا جيدا لإعادة التوازن لسياساتها الداخلية والخارجية، بالإضافة إلى انعاش اقتصادها وإعادة رسم خريطة طريق جديدة.
فمنذ تولى أردوغان رئاسة بلدية اسطنبول سعى إلى وضع خطط إصلاحية وتنموية شاملة، وعلى إثرها حقق نجاحات زادت من شعبيته، ليس فقط على المستوى المحلي؛ بل على المستوى الإقليمي والدولي، خاصة بعد صعوده إلى كرسي الرئاسة عام 2014. هذه الإصلاحات مهدت الطريق لوضع الرؤى السياسية والاقتصادية لبناء الدولة التركية الحديثة. ومما لا شك فيه أن الاستقرار السياسي والاجتماعي يلعب الدور الأكبر في دفع عجلة التنمية رغم المتغيرات الكثيرة والمستجدة على المستويين المحلي والدولي. فعلى الرغم من الصراعات التي خاضها حزب العدالة والتنمية بقيادة أردوغان ضد الأحزاب التركية، وأبرزها حزب الشعوب الديمقراطي وحزب العمال الكردستاني والخلافات التاريخية بين هذه الأحزاب والأيديولوجيات؛ إلا أن ذلك لم يُعطّل من سير عجلة التنمية في هذا البلد، الذي مر بمراحل تاريخية حاسمة من الصراعات والانقلابات السياسية، بل أكسب هذه الأعراق والطوائف والأقليات مرونة في التعايش، رغم الاختلاف في الأصل والمنشأ.
وبالحديث عن رؤية تركيا 2023، التي تُعد أحد أهم مشاريع القرن التي تبنّاها أردوغان أثناء حملته الانتخابية، وأعلن عنها عقب فوزه بالانتــــخابات الرئاسية. هذه الرؤية حسب ما صرّح به أردوغانسوف تساهـــم في تأسيس الدولة التركية الحديثة لما لها من أبعادٍ اقتصادية وسياسية على المدى البعيد. ومن الجانب السياسي، ربما يكون الهدف الأبرز هو دخول تركيا إلى الاتحاد الأوروبي بحلول عام 2023 كقوة سياسية واقتصادية عالمية، لتكون بذلك ضمن أقوى 10 اقتصــــادات في العالم. ما سوف يجعلها صاحبة رأي وموقف قوي إزاء بعض قرارات الاتحاد. وأعتقد أن ذلك سيشكل ضغطاً كبيراً على الاتحاد، لا سيما في تمسك الحكومة التركية بموقفها تجاه بعض القضايا الإقليمية والدولية، كاحتواء اللاجئين السوريين، الذين تخطوا حاجز المليون لاجئ، في الوقت الذي يسعى فيه الاتحاد الأوروبي لإيجاد آلية وخطة عمل مشتركة لاحتواء تدفــــق اللاجئين.
والسؤال هنا: كيف يُمكن لتركيا أن تتبوأ هذه المكانة العالمية في غضون 8 سنوات من الآن؟
أعتقد أن الإجابة على هذا السؤال سيقودنا للعودة قليلاً إلى الوراء. فالإصلاحات التي بدأها أردوغان عقب فوزه برئاسة بلدية تركيا في عام 1994 ثم فوزه برئاسة الوزراء في عام 2002هــــيأت له أرضاً خصـــبة لرسم مـــلامح تركيا الحديثة. ففي أثناء فترة رئاسته للوزراء ازداد الناتج المحلي بين عامي 2002 و2015، فقد بلغ الناتج المحلي في عام 2002 حوالي 230 مليار دولار ، بينما بلغ نحو 800 مليار دولار في عام 2015. أما في ما يخص نسبة دخل الفرد فقد ارتفعت من 2500 دولار لتصل إلى 10500 دولار في نهاية عام 2015.
ومما لا شك فيه أن هذه الزيادة تُعزى إلى زيادة إجمالي الصادرات التي قُدّرت بنحو 130 مليار دولار في عام 2015، بينما كانت 36 مليار دولار في عام 2002، بالإضافة إلى ازدياد إيرادات السياحة بنحو 34.5 مليار دولار مقارنة بعام 2002 حينما بلغت 12.5 مليار دولار، بالإضافة إلى ذلك، فقد تراجعت نسبة البطالة والتضخم إلى ما دون 10 ٪ ، وذلك بسبب ازدياد الاستثمارات الأجنبية وإنشاء المشاريع التنموية بما في ذلك قطاع المواصلات والبنية الأساسية وغيرها.
علاوة على ذلك، فإن الاستقرار السياسي يخلق بيئة خصبة للنمو الاقتصادي، حيث أن المؤشرات الأخيرة تشير إلى أن تركيا من الممكن أن تتبوأ مكانة إقليمية ودولية في مجال نقل وإمداد الطاقة، وذلك بلعِبها الدور المركزي في تحقيق التوازن بين الدول المتنازعة، خاصة في ظل الظروف الراهنة، والصراعات التي تمر بها بعض هذه الدول كالعراق وسوريا وغيرها، وذلك ما دعا بعض هذه الدول إلى البحث عن ممرات آمنة لمرور صادراتها إلى الدول الراغبة في شراء الطاقة. وذلك ما حدث فعلاً بعد قيام شركة خط أنابيب الأناضول (TANAP) بتنفيذ المرحلة الاولى لنقل الغاز الطبيعي من أذربيجان مروراً بتركيا وصولاً إلى أوروبا. مما دفع بعض الدول التي ترغب ببيع الغاز الطبيعي المسال كإيران وقطر والعراق وإقليم كردستان، إلى خلق شراكات تجارية مع تركيا باعتبار أن الأراضي التركية هي الممر الأكثر أماناً لتصدير الغاز الطبيعي المسال. خاصة أن الدول المجاورة لتركيا تمتلك ما يقرب من 60٪ من احتياطي الطاقة العالمي.
وفي الختام أعتقد أن هذه الإصلاحات السياسية والاقتصادية ساهمت بشكلٍ أو بآخر في إعادة التوازن ليس لتركيا فقط بل للمنطقة بشكلٍ عام. ولكن على ما يبدو أن النهج التركي مستقبلاً أمامه طريق لن يكون مفروشاً بالورود في ظل المتغيرات والمستجدات السياسية والاقتصادية التي تمر بها المنطقة .

٭ باحث عماني في الشؤون الاقتصادية والتنمية البشرية

تركيا في ظل الصراع والمتغيرات المحيطة بالمنطقة

عبدالعزيز الروشدي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية